🟥 منتدى بورتسودان الدولي 2026.. توصيات استراتيجية لتعزيز الشراكة السودانية الصينية ودعم السلام والتنمية وأمن البحر الأحمر
🟥 الدكتورة فاطمة العاقب تقود جهود تحويل مخرجات المنتدى إلى برامج تنفيذية.. من الحوار الأكاديمي إلى العمل المؤسسي

🟥 منتدى بورتسودان الدولي 2026.. من الحوار الأكاديمي إلى خارطة طريق لإعادة إعمار السودان وحماية البحر الأحمر*
تقرير: ساميه كبسون
شكّل منتدى بورتسودان الدولي 2026، الذي انعقد يومي 20 و21 أكتوبر بمدينة بورتسودان تحت عنوان «علاقات إفريقيا والصين في القرن الإفريقي»، منصة للحوار وتبادل الرؤى حول مستقبل العلاقات السودانية الصينية، وآفاق التعاون الإفريقي الصيني، وقضايا السلام والاستقرار والتنمية، إلى جانب الأهمية الاستراتيجية للبحر الأحمر والقرن الإفريقي.
وشهد المنتدى مشاركة مسؤولين وممثلين للبعثات الدبلوماسية والمنظمات الإقليمية والدولية، إلى جانب نخبة من الخبراء والأكاديميين والباحثين والإعلاميين، الذين ناقشوا جملة من القضايا المرتبطة بمستقبل السودان، وسبل الاستفادة من علاقاته الدولية وإمكاناته الاقتصادية وموقعه الجغرافي في دعم جهود إعادة الإعمار وتحقيق التنمية المستدامة.
ولم يقتصر المنتدى على مناقشة القضايا النظرية، بل سعى إلى تقديم رؤى وتوصيات عملية يمكن البناء عليها في تطوير السياسات وتعزيز الشراكات الاقتصادية والعلمية والدبلوماسية، بما يخدم المصالح الوطنية السودانية ويدعم استقرار المنطقة.
الدكتورة فاطمة العاقب.. من تنظيم المنتدى إلى متابعة مخرجاته
برز دور الدكتورة فاطمة العاقب، الأمين العام لمركز دراسات وأبحاث القرن الإفريقي، في الإعداد للمنتدى وتنظيم أعماله وتنسيق المشاركة، بما أتاح مساحة للحوار بين المسؤولين والدبلوماسيين والخبراء والباحثين حول القضايا ذات الأولوية للسودان والمنطقة.
وتجلّى هذا الدور في الاهتمام بمتابعة مخرجات المنتدى والعمل على نقلها من الإطار الفكري والأكاديمي إلى مستوى التوصيات القابلة للتنفيذ، وصولاً إلى تسليم النسخة النهائية والتنفيذية للتوصيات الختامية إلى رئاسة مجلس السيادة الانتقالي ووالي ولاية البحر الأحمر، تمهيداً للاستفادة منها في تطوير برامج العمل والسياسات ذات الصلة.
ويمثل هذا التحرك خطوة مهمة في ربط البحث العلمي بصناعة القرار، وتعزيز دور مراكز الدراسات في تقديم الرؤى والمقترحات التي تساعد على معالجة التحديات الوطنية والإقليمية.
كما يعكس أهمية استمرارية المنتديات العلمية، بحيث لا تنتهي مخرجاتها بانتهاء جلساتها، بل تتحول إلى برامج ومبادرات وشراكات قابلة للمتابعة والتقييم.
العلاقات السودانية الصينية.. إرث تاريخي وآفاق استراتيجية
تناولت أوراق المنتدى مسيرة العلاقات السودانية الصينية التي تعود إلى عام 1959، باعتبارها علاقات تمتلك رصيداً تاريخياً يمكن البناء عليه لتطوير شراكة استراتيجية أكثر فاعلية، تقوم على المصالح المشتركة والتعاون الاقتصادي ونقل التكنولوجيا وتبادل الخبرات.
واستعرضت الأوراق محطات بارزة في هذه العلاقات، من بينها التعاون في مجالات العلوم والثقافة، والفرق الطبية الصينية التي أسهمت في تقديم الخدمات الصحية بالسودان، وصولاً إلى الارتقاء بالعلاقات إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية عام 2015، وما أتاحته تطورات التعاون الصيني الإفريقي من فرص جديدة.
وأكدت المناقشات أن المرحلة الراهنة تتطلب الانتقال بالعلاقات من الرصيد التاريخي والاتفاقيات العامة إلى مشروعات عملية ذات أثر مباشر في حياة المواطنين، خصوصاً في قطاعات الزراعة والصناعة والتعدين والطاقة والصحة والتعليم والنقل والاتصالات.
كما شددت على أهمية توجيه الاستثمارات نحو القطاعات الإنتاجية، وتوسيع فرص التدريب ونقل المعرفة والتكنولوجيا، بما يعزز قدرات السودان على استعادة نشاطه الاقتصادي وتحقيق التنمية المستدامة.
إعادة إعمار السودان.. بناء الإنسان والاقتصاد والبنية التحتية
احتلت قضية إعادة الإعمار مكانة متقدمة في النقاشات، باعتبارها أحد أكبر التحديات التي تواجه السودان، وضرورة وطنية تتطلب رؤية متكاملة تتجاوز معالجة الأضرار المادية إلى إعادة بناء الاقتصاد وتعزيز قدرات المؤسسات وتحسين الخدمات الأساسية.
وأكدت الأوراق أن إعادة الإعمار ينبغي أن ترتبط بخطة إنتاجية شاملة تستهدف إعادة تأهيل البنية التحتية، وتطوير قطاعات الزراعة والصناعة والطاقة، وتحسين خدمات الصحة والتعليم، وتوسيع فرص العمل، مع إعطاء الأولوية للمشروعات التي تسهم في تحسين معيشة المواطنين.
كما برزت أهمية الاستفادة من التجارب السابقة في تنفيذ المشروعات الاستراتيجية، ومنها المشروعات المرتبطة بالطاقة الكهرومائية، مع التركيز على توطين التكنولوجيا وتأهيل الكوادر الوطنية ونقل الخبرات الفنية.
وشددت الرؤى المطروحة على أن نجاح إعادة الإعمار يتطلب شراكات فاعلة بين الدولة والقطاع الخاص والمؤسسات الوطنية والشركاء الدوليين، وفق أولويات واضحة تضمن توجيه الموارد إلى المشروعات الأكثر تأثيراً في الاقتصاد والمجتمع.
أمن البحر الأحمر.. مسؤولية إقليمية ومصلحة مشتركة
ناقش المنتدى الأهمية الاستراتيجية للبحر الأحمر بوصفه ممراً حيوياً للتجارة الدولية والملاحة البحرية، وحلقة وصل بين إفريقيا والعالم العربي ومناطق واسعة من الاقتصاد العالمي.
وأكدت المناقشات أن أمن البحر الأحمر يرتبط ارتباطاً وثيقاً باستقرار دول المنطقة وقدرتها على حماية مصالحها وتأمين الملاحة وتعزيز التعاون الاقتصادي، وأن أي اضطراب أمني ينعكس بصورة مباشرة على التجارة والاستثمار والتنمية.
وفي هذا السياق، شددت التوصيات على تعزيز التعاون بين دول البحر الأحمر والقرن الإفريقي، وتطوير آليات التشاور والتنسيق الإقليمي، واحترام سيادة الدول ووحدة أراضيها، والابتعاد عن التدخلات التي من شأنها تعقيد الأزمات أو تهديد الاستقرار.
وخلصت الرؤى إلى أن الأمن والتنمية مساران متكاملان، وأن بناء بيئة مستقرة يتطلب معالجة جذور النزاعات، ودعم التنمية الاقتصادية، وتعزيز التعاون المشترك، بما يرسخ معادلة واضحة: لا تنمية مستدامة دون أمن، ولا أمن مستدام دون تنمية.
مبادرة الحزام والطريق.. فرص لتطوير الموانئ والاستثمار
تناولت أوراق المنتدى الفرص التي يمكن أن يتيحها التعاون في إطار مبادرة الحزام والطريق لتطوير البنية التحتية السودانية، وتعزيز دور الموانئ في دعم الاقتصاد الوطني وربط السودان بالأسواق الإقليمية والدولية.
وأكدت المناقشات أن الموقع الجغرافي للسودان على البحر الأحمر يمنحه فرصاً مهمة لتطوير قطاع النقل البحري والخدمات اللوجستية، شريطة الاستثمار في تحديث الموانئ، وتحسين شبكات الطرق والنقل والطاقة، وتطوير الخدمات المرتبطة بالتجارة والصناعة.
كما شددت على ضرورة تجاوز النظرة التقليدية للموانئ باعتبارها نقاطاً لعبور البضائع، والعمل على تحويلها إلى مراكز اقتصادية متكاملة تستقطب الاستثمارات، وتدعم التصنيع والتخزين والخدمات اللوجستية، وتوفر فرص العمل.
وتمثل هذه الرؤية مدخلاً لتعزيز القدرة التنافسية للاقتصاد السوداني والاستفادة من الموقع الاستراتيجي للبلاد في حركة التجارة الإقليمية والدولية.
الدبلوماسية العلمية.. المعرفة في خدمة صناعة القرار
أكد المنتدى أهمية تعزيز دور الجامعات ومراكز البحوث في صياغة السياسات العامة، من خلال توظيف الدراسات العلمية والخبرات الأكاديمية في تحليل التحديات وتقديم البدائل والحلول العملية.
ودعت الأوراق إلى تطوير التعاون بين الجامعات السودانية والصينية، وتوسيع برامج التبادل العلمي والمنح الدراسية والتدريب المشترك، وتشجيع البحوث التطبيقية التي تستجيب لاحتياجات السودان في مجالات الزراعة والصناعة والطاقة والصحة والبيئة وإدارة الموارد.
كما أبرزت أهمية بناء جسور مستدامة بين المؤسسات الأكاديمية والجهات الحكومية والقطاع الخاص، حتى تصبح المعرفة عنصراً أساسياً في التخطيط واتخاذ القرار، بدلاً من أن تظل نتائج البحوث بعيدة عن متطلبات الواقع.
وتعكس هذه التوجهات أهمية الدبلوماسية العلمية باعتبارها أداة لدعم العلاقات الدولية وتعزيز الثقة وتبادل الخبرات، وفتح مجالات جديدة للتعاون بين الشعوب والمؤسسات.
الدبلوماسية الشعبية.. الصداقة تتجاوز الاتفاقيات
حظيت الدبلوماسية الشعبية باهتمام واضح ضمن مناقشات المنتدى، انطلاقاً من أن العلاقات الدولية المستدامة لا تقوم على الاتفاقيات الرسمية وحدها، بل تحتاج أيضاً إلى التواصل الثقافي والمجتمعي والمبادرات الإنسانية والبيئية.
وفي هذا الإطار، برزت مبادرة «الحزام الصيني السوداني للصداقة الأخضر» التي تستهدف زراعة خمسة آلاف شجرة على امتداد شارع مدني بمدينة بورتسودان، بوصفها مبادرة تجمع بين تعزيز الصداقة السودانية الصينية ودعم البيئة الحضرية ونشر ثقافة التشجير.
وتؤكد المبادرة أن التعاون بين الشعوب يمكن أن يتحول إلى مشروعات ملموسة تسهم في تحسين البيئة وتعزيز المشاركة المجتمعية وترسيخ قيم الصداقة والتضامن.
كما تبرز أهمية دور جمعيات الصداقة ومؤسسات المجتمع المدني في توسيع مجالات التواصل الشعبي، ودعم المبادرات الثقافية والبيئية، وتعزيز العلاقات بعيداً عن الأطر الرسمية التقليدية.
أبرز توصيات منتدى بورتسودان الدولي 2026
خرج المنتدى بمجموعة من التوصيات الاستراتيجية التي تستهدف تعزيز التعاون الإقليمي والدولي، وتطوير العلاقات السودانية الصينية، وربط الحوار الأكاديمي بالعمل التنفيذي، ويمكن تلخيص أبرزها في الآتي:
تعزيز الدبلوماسية العلمية والأكاديمية: توسيع دور الجامعات ومراكز الدراسات والبحوث في دعم صناعة القرار، وتشجيع البحوث التطبيقية، وتطوير برامج التبادل العلمي والتدريب والمنح الدراسية بين السودان والصين.
ترسيخ أمن البحر الأحمر والقرن الإفريقي: تعزيز التعاون والتنسيق بين دول المنطقة لحماية الملاحة البحرية وتأمين المصالح المشتركة، ودعم الحلول السلمية للنزاعات، وترسيخ مسؤولية دول الإقليم عن أمنها واستقرارها.
تطوير الموانئ والبنية التحتية: الاستفادة من فرص التعاون الدولي ومبادرة الحزام والطريق لتحديث الموانئ السودانية، وتطوير شبكات النقل والطاقة والخدمات اللوجستية، وتحويل الموانئ إلى مراكز للاستثمار والإنتاج والتجارة.
توسيع التعاون الاقتصادي والاستثماري: تشجيع الاستثمارات المشتركة في القطاعات الإنتاجية، خصوصاً الزراعة والصناعة والتعدين والطاقة والصحة والتعليم، وتطوير سلاسل الإمداد، وتعزيز فرص نقل التكنولوجيا وتوطين الصناعات.
دعم إعادة إعمار السودان: إعطاء الأولوية للمشروعات التي تسهم في استعادة الخدمات الأساسية، وإعادة تأهيل البنية التحتية، وتحريك الإنتاج، وخلق فرص العمل، وتحسين الظروف المعيشية للمواطنين.
تعزيز الشراكة الاستراتيجية السودانية الصينية: تطوير رؤية مشتركة للتعاون المستقبلي، والاستفادة من العلاقات التاريخية لتأسيس مشروعات عملية تحقق المصالح المتبادلة، مع التركيز على بناء القدرات الوطنية ونقل المعرفة والتكنولوجيا.
احترام السيادة ووحدة الدول: التأكيد على احترام سيادة السودان ووحدة أراضيه، ودعم الحلول السلمية والسياسية للأزمات، وتعزيز التعاون القائم على المصالح المشتركة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول.
تفعيل الدبلوماسية الشعبية والمبادرات المجتمعية: دعم دور جمعية الصداقة السودانية الصينية ومؤسسات المجتمع المدني في تعزيز التواصل الثقافي والإنساني، وتشجيع المبادرات البيئية والتنموية التي تجسد التعاون بين الشعبين.
ضمان استدامة المنتدى ومتابعة توصياته: العمل على تنظيم دورات مستقبلية للمنتدى، وتطوير آليات مؤسسية لمتابعة تنفيذ توصياته، وتعزيز التنسيق بين مركز دراسات وأبحاث القرن الإفريقي والجهات الحكومية والجامعات والمؤسسات ذات الصلة.
تحويل التوصيات إلى برامج تنفيذية: تحديد الأولويات والمشروعات المقترحة، وتوزيع المسؤوليات بين الجهات المعنية، والعمل على وضع آليات للمتابعة والتقييم، بما يضمن قياس الأثر وتحقيق نتائج عملية قابلة للاستمرار.
أكد منتدى بورتسودان الدولي 2026 أهمية الحوار العلمي والدبلوماسي في بناء رؤية مشتركة لمستقبل السودان وعلاقاته الإقليمية والدولية، وفتح آفاق جديدة للتعاون في مجالات السلام والتنمية وإعادة الإعمار وأمن البحر الأحمر.
كما أبرز المنتدى أن العلاقات السودانية الصينية تمتلك رصيداً تاريخياً مهماً، إلا أن الحفاظ على هذا الرصيد وتطويره يتطلبان الانتقال إلى شراكات عملية تستجيب لأولويات السودان وتدعم قدراته الإنتاجية وتنعكس نتائجها على حياة المواطنين.
وفي هذا السياق، يمثل تسليم التوصيات النهائية إلى رئاسة مجلس السيادة ووالي ولاية البحر الأحمر خطوة نحو نقل مخرجات المنتدى إلى المؤسسات المعنية، وفتح المجال أمام الاستفادة منها في التخطيط والتنفيذ.
ويظل التحدي الحقيقي في المرحلة المقبلة هو ضمان المتابعة المؤسسية، وتحديد الأولويات، وتحويل المقترحات إلى مشروعات قابلة للتنفيذ، بما يعزز فرص نجاح المنتدى واستدامة أثره.
إن نجاح منتدى بورتسودان الدولي لا يُقاس بحجم المشاركة أو عدد الأوراق المقدمة فحسب، بل بقدرته على تحويل الأفكار إلى برامج، والتوصيات إلى مشروعات، والشراكات إلى نتائج يلمسها المواطن السوداني.
ومن بورتسودان، تتجدد الرسالة: من الحوار إلى العمل، ومن الشراكة إلى الإنتاج، ومن التوصيات إلى التنفيذ، من أجل سودان آمن ومستقر، واقتصاد متعافٍ، وعلاقات دولية تقوم على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة.