🟥 السفير الشعبي وسفير الانسانيه مدني النزير البشرى المحيابي يكتب: احذروا من السماسرة..
كبسون نيوز: حيث الخبر

حين يتحول حلم الهجرة إلى تجارة في أحلام المواطنين.. في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي يعيشها المواطن السوداني، ومع تزايد رغبة الشباب في البحث عن فرص عمل بالخارج، برزت قضية السماسرة ومكاتب الاستخدام الخارجي بوصفها واحدة من القضايا التي تستحق الوقوف عندها بجدية، لما ترتبط به من أحلام الشباب، وحقوق المواطنين، ومستقبل الأسر السودانية التي تبحث عن مخرج من ضيق المعيشة إلى رحابة الفرص.
إن الهجرة من أجل العمل ليست جريمة، والبحث عن حياة أفضل حق مشروع لكل إنسان، لكن الخطورة تبدأ عندما يتحول هذا الحق إلى سوق مفتوحة يستغل فيها بعض الوسطاء حاجة المواطنين، ويبيعون لهم الوعود الزائفة مقابل مبالغ مالية كبيرة، دون ضمانات حقيقية أو التزام واضح بالقوانين المنظمة للهجرة والعمل بالخارج.
السماسرة.. تجارة في أحلام الشباب
ما أكثر الشباب الذين يطرقون أبواب مكاتب الاستخدام الخارجي بحثاً عن فرصة عمل تحفظ كرامتهم، وما أكثر الأسر التي تبيع مدخراتها، أو تستدين من الأقارب، أملاً في تأمين مستقبل أبنائها خارج البلاد. لكن بعض هؤلاء يصطدمون بواقع مؤلم، حين يكتشفون أن الوعود التي تلقوها لم تكن سوى وسيلة لاستنزاف أموالهم، وأن الطريق الذي اعتقدوا أنه يقودهم إلى الاستقرار قد ينتهي بهم إلى الخسارة والندم.
إن استغلال حاجة المواطن إلى العمل لا يقل خطورة عن استغلال حاجته إلى العلاج أو التعليم؛ فكلها حقوق أساسية لا يجوز أن تتحول إلى أبواب للابتزاز والتربح غير المشروع.
ومن هنا، فإن مواجهة السماسرة لا تكون بالشعارات وحدها، وإنما بتفعيل الرقابة، ومراجعة أداء مكاتب الاستخدام، ومحاسبة كل من يثبت تورطه في الاحتيال على المواطنين أو تضليلهم بمعلومات غير صحيحة.
إن وجود مكاتب مرخصة تعمل وفق القوانين واللوائح يمثل ضرورة لتنظيم سوق العمل الخارجي، لكن الترخيص وحده لا يكفي لضمان حقوق المواطنين. فالمطلوب هو رقابة مستمرة، وإجراءات واضحة، ومعلومات معلنة عن فرص العمل، والجهات المشغلة، والرسوم المسموح بها، وشروط العقود، والالتزامات القانونية لكل طرف.
كما ينبغي التأكد من أن الوظائف المعروضة حقيقية، وأن العقود تتضمن الأجور وساعات العمل والإقامة والتأمين والحقوق الأخرى، حتى لا يجد المواطن نفسه أمام واقع مختلف تماماً عما وُعد به قبل السفر.
وهنا يبرز السؤال المهم: من يحمي المواطن إذا دفع مدخرات عمره للحصول على فرصة عمل، ثم اكتشف أن المكتب الذي تعامل معه لم يفِ بالتزاماته؟
إن الإجابة تبدأ بوجود جهة رقابية فاعلة، وآلية واضحة لتلقي الشكاوى، وسرعة الفصل فيها، وإلزام الجهات المخالفة برد الحقوق، مع اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة بحق المتجاوزين.
السعودية ودول الخليج.. فرص عمل تحتاج إلى تنظيم لا إلى وسطاء مجهولين
تظل المملكة العربية السعودية ودول الخليج وجهات يقصدها كثير من السودانيين بحثاً عن العمل والاستقرار، لما توفره من فرص في قطاعات متعددة. غير أن الاستفادة من هذه الفرص تتطلب اتباع الطرق القانونية، والتعامل مع الجهات المعتمدة، والتحقق من صحة العقود والتأشيرات قبل دفع أي مبالغ أو اتخاذ قرار السفر.
كما أن المواطن يحتاج إلى توعية حقيقية تشرح له الفرق بين تأشيرة العمل والتأشيرات الأخرى، وتوضح له حقوقه والتزاماته، وتحذره من الوعود التي لا تستند إلى مستندات رسمية.
ولا يجوز أن يُترك الشباب فريسة للمعلومات المتضاربة أو الإعلانات المضللة، في وقت تتطلب فيه ظروف البلاد حماية كل مورد بشري، ومساعدة المواطنين على اتخاذ قرارات واعية تحفظ أموالهم وكرامتهم.
ولا تتوقف القضية عند دول الخليج، بل تمتد إلى بعض الجهات التي تروج لفرص السفر إلى أوروبا، وتَعِد المواطنين باستكمال إجراءات الهجرة أو الحصول على وظائف، مقابل مبالغ قد تفوق قدرة الأسرة السودانية.
إن السفر إلى أوروبا للعمل أو الدراسة له مسارات قانونية وشروط محددة تختلف من دولة إلى أخرى، ولا يمكن اختصارها في وعود السماسرة أو الإعلانات التي تنتشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
ولذلك، فإن أي مواطن يفكر في السفر ينبغي أن يتحقق من الجهة التي يتعامل معها، وأن يراجع المصادر الرسمية، وألا يدفع أموالاً مقابل وعود غير موثقة، أو يسلم مستنداته الشخصية إلى أشخاص لا يملك دليلاً على موثوقيتهم.
الحل ليس في إغلاق الأبواب.. بل في تنظيمها
إن المطلوب ليس محاربة الهجرة أو تعطيل فرص العمل بالخارج، وإنما تنظيم هذا القطاع بما يضمن حقوق المواطن ويمنع استغلاله.
ونقترح في هذا السياق تعزيز الرقابة على مكاتب الاستخدام الخارجي، ونشر قوائم المكاتب المعتمدة، وإعلان الرسوم القانونية بوضوح، وتوفير منصة رسمية للتحقق من عقود العمل، وإنشاء آلية فعالة لاستقبال شكاوى المواطنين ومتابعتها.
كما نطالب بتكثيف حملات التوعية عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، حتى يعرف المواطن حقوقه قبل أن يدفع أمواله، وحتى يدرك أن العقد الموثق والتحقق من جهة العمل أهم من الوعود البراقة.
ومن الضروري كذلك تشجيع المواطنين المتضررين على تقديم شكاواهم إلى الجهات المختصة، وتوثيق معاملاتهم وإيصالات الدفع والعقود والمراسلات، حتى تتمكن السلطات من اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة.
كلمة أخيرة: كرامة المواطن ليست سلعة
إن المواطن السوداني الذي يبحث عن فرصة عمل لا يستجدي أحداً، بل يسعى إلى كسب رزقه بكرامة، وتأمين مستقبل أسرته، والمساهمة في بناء وطنه. ومن واجب الدولة أن تحميه من كل من يحاول تحويل حاجته إلى وسيلة للثراء على حسابه.
إننا بحاجة إلى موقف حازم يميز بين مكاتب الاستخدام الجادة التي تعمل وفق القانون، وبين السماسرة الذين يتاجرون بأحلام الشباب، ويستغلون الظروف الاقتصادية لتحقيق مكاسب على حساب البسطاء.
فالهجرة ينبغي أن تكون طريقاً إلى الأمل، لا بوابة للخداع، وفرصة للعمل، لا وسيلة لنهب مدخرات المواطنين.
وعلى الجهات المختصة أن تتحرك لحماية حقوق السودانيين، ومراجعة التجاوزات، ومحاسبة المخالفين، حتى لا يصبح حلم السفر بداية لمأساة جديدة.
فالسوداني الذي يخرج من وطنه بحثاً عن الرزق يستحق أن يجد من يحفظ حقه، لا من يسرق حلمه