
ليست أبيي مجرد بقعة جغرافية على خارطة الصراع السوداني، ولا هي مجرد “صندوق بريد” لتبادل رسائل القوة بين المركز والهامش، إن أبيي في العقل النقدي للأستاذ شميلة هي سؤال الدولة السودانية ذاته، سؤال الهوية والحدود والانتماء، سؤال لم يبدأ ببروتوكول مشاكوس ولم ينته بقرار المحكمة الدائمة في لاهاي.
شميلة، وهو أحد أكبر مثقفي المسيرية وعقلها النقدي، لا يقرأ أبيي كأزمة طارئة، بل كسيرورة تاريخية طويلة، كتراكم ديالكتيكي من المظالم والإهمال والتوظيف السياسي. إنه يخرج القضية من ثنائية “مسيرية / دينكا نقوك” الضيقة، ليعيدها إلى جدليتها الأصلية: صراع المركز الذي أدار التنوع بالانقسام، لا بالاعتراف.
في فلسفة الأستاذ شميلة للسرد التاريخي، أبيي لم تكن يوماً منطقة نزاع بين قبيلتين رعويتين تتصارعان على الكلأ والماء كما يصورها الوعي الاستعماري الساذج. هذا التصوير هو تبسيط مخل. أبيي كانت وما زالت نموذجاً للتعايش الرعوي المتكامل، اقتصاد المراحيل المتبادل، دينكا يزرع والمسيري يرعى، والدينكا يمنح المسار والمسيري يحفظ العهد. الذي أفشل هذا النموذج ليس الراعي، بل السياسي الذي حول المرعى إلى بند في اتفاقية، وحول المسار إلى خريطة نفوذ.
وهنا تكمن عبقرية العقل النقدي عند أستاذنا الكبير شميلة. إنه يمارس نقداً مزدوجاً:
*أولاً: نقد للمركز في الخرطوم* الذي تعامل مع أبيي كـ “كرت تفاوضي”، مرة يمنحها حق التصويت ليكسب المسيرية، ومرة يسحبه ليكسب الدينكا، دون أن يسأل أهلها ماذا يريدون.
*ثانياً: نقد للمركز في جوبا* الذي أراد تحويل أبيي إلى رمز أيديولوجي لاكتمال مشروع الدولة الجنوبية الجديدة، متجاوزاً حقيقة أن الجغرافيا لا تخضع للأيديولوجيا، وأن الدم لا يمكن أن يفصل بمسطرة سياسية.
شميلة يطرح ما يمكن تسميته بـ *ديالكتيك الانتماء المزدوج*. فأبيي عنده ليست شمالية خالصة ولا جنوبية خالصة، هي سودانية بمعنى أوسع من الدولة القطرية. هي منطقة تماس حضاري، لا منطقة فصل عنصري. ومن هنا تأتي مبادراته التي قدمها لحكومة السودان: لا حل لأبيي بالاستفتاء الصفري الذي يجعل طرفاً منتصراً وآخر مهزوماً، بل الحل في الحكم المشترك، في الإدارة التشاركية، في تحويل أبيي من حقل ألغام سياسي إلى مختبر للتعايش السوداني الجديد.
سيرورة تاريخ أبيي كما يتصورها شميلة، تمر بثلاث لحظات:
*اللحظة الأولى:* أبيي كمجتمع تقليدي متعايش، تحكمه الأعراف لا القوانين.
*اللحظة الثانية:* دخول الدولة الحديثة بنفطها واتفاقياتها ومحاكمها الدولية، فحولت العرف إلى نزاع، والتعايش إلى تنازع.
*اللحظة الثالثة:* وهي ما يبشر به شميلة، أبيي كمشروع وطني جامع، يتجاوز الدولة القومية الضيقة نحو دولة المواطنة المتساوية.
لهذا، فإن قراءة شميلة ليست قراءة مسيرية لأبيي، بل هي قراءة سودانية لأزمة الدولة. إنه لا يدافع عن المسيرية كقبيلة، بل يدافع عن فكرة الحق التاريخي في الحركة والرعي والوجود، وهي فكرة تهددها فكرة الدولة الريعية التي تريد تثبيت الناس لتسهل السيطرة عليهم.
إن العقل النقدي لشميلة يذكرنا أن أبيي لم تخلقها نيفاشا، بل كشفتها نيفاشا. وأن حلها لن يكون في جنيف ولا في لاهاي، بل في الفولة والمجلد وأبيي ذاتها، حيث يجلس العجائز ويتقاسمون الماء والكلأ، بعيداً عن سماسرة الكلمة وصناع أصنام العجوة.
#_رياح_ورماح
#_قور