الأخبار

🟥 منبر دار الريح يؤبن الخليفة ابن عمر بأم درمان.. من النحت في الصخر إلى قمة المجد، فارس كردفان وصاحب مشروع مدارس الأقمار

أم درمان – السبت 24 أكتوبر 2026م محمد المصطفي

🟥 تأبين مهيب يكشف محطات من مسيرة الراحل الدبلوماسية والفكرية، ومشروعه الرائد في التعليم، ورؤيته للتنمية وبناء الإنسان

 

أم درمان – السبت 24 أكتوبر 2026م

محمد المصطفي

 

في مشهدٍ مهيب امتزجت فيه مشاعر الوفاء بمرارة الفقد، التأم جمع من رموز الفكر والسياسة والدبلوماسية والعلماء وقيادات الإدارة الأهلية، بقاعة المجلس الثقافي بأم درمان، في تأبين نظمه منبر دار الريح «مدار» تخليداً لذكرى فقيد الأمة والوطن، الخليفة ابن عمر محمد أحمد عبدالهادي تابرية، الذي رحل تاركاً وراءه سيرةً حافلة بالعطاء ومكانةً راسخة في وجدان أهله ورفاقه وكل من عرفه.

وجاء التأبين استحضاراً لمسيرة رجل لم تحصره جغرافيا المكان، ولم تقف تحديات الحياة أمام طموحه، بل شق طريقه من بابنوسة، عبر سنوات من الكفاح والعمل، حتى أصبح علماً بارزاً في مجتمعه، وصوتاً يحمل قضايا كردفان وهموم السودان، وشخصيةً جمعت بين الفكر والعمل الدبلوماسي والاهتمام بالتعليم والتنمية المجتمعية.

ولم يكن اللقاء مجرد مناسبة لتلقي العزاء، بل تحول إلى منصة لاستعادة محطات مهمة من تاريخ الراحل، واستعراض أفكاره ومواقفه ومشروعاته، في شهادات عكست تعدد أدواره واتساع أثره في الحياة العامة.

الناظر محمد أحمد تمساح: ابن عمر كان بحجم أمة

استهل التأبين نائب رئيس منبر دار الريح، الناظر محمد أحمد تمساح، بكلمة تناول فيها مكانة الفقيد، مؤكداً أن عبقريته وعطاءه لم يكونا محصورين في نطاق جغرافي ضيق، بل تجاوزا حدود المنطقة إلى رحاب الوطن، حتى أصبح نموذجاً للرجل الذي يحمل هموم مجتمعه دون أن يتخلى عن مسؤولياته الوطنية.

وأشار تمساح إلى أن الراحل قدم خدمات جليلة للسودان في مجالي العمل الدبلوماسي والثقافي، حيث عمل ملحقاً ثقافياً سودانياً في جمهورية إيران الإسلامية، وأسهم في تمثيل بلاده ونقل صورة الإنسان السوداني، كما عمل خبيراً تربوياً، وعُرف بشجاعته في التعبير عن مواقفه وتمسكه بما يؤمن به.

وأضاف أن ابن عمر كان يحمل هموم السودان بأكمله، وظل ثابتاً في مواقفه، مؤمناً بأن خدمة المجتمع مسؤولية تتطلب الصبر والعمل والإخلاص.

وأكد تمساح، باسم قيادات وأعضاء المنبر، أن رحيل الفقيد ترك فراغاً كبيراً لا يمكن تعويضه إلا بمواصلة المسيرة التي بدأها، مشدداً على التزام منبر دار الريح بمواصلة مشروعات التنمية التي حلم بها الراحل، والعمل على تحويل أفكاره إلى واقع ملموس في المدن والقرى والفرقان.

وأشار إلى أن حلم ابن عمر كان أن يرى دار الريح منطقة عامرة بالتنمية والاستقرار، وقادرة على تجاوز آثار الحرب والاستعداد للمستقبل عبر خطط تنموية مدروسة.

واختتم كلمته بالدعاء للفقيد بالرحمة والمغفرة، وأن يسكنه الله فسيح جناته.

السفير إبراهيم الكباشي: قراءة استراتيجية في الثورات السودانية وأزمة الدولة

وفي واحدة من أبرز المداخلات خلال التأبين، قدم السفير إبراهيم الكباشي قراءة تاريخية وسياسية واستراتيجية تناولت تجربة الراحل، وربطت مسيرته بتحولات المشهد السوداني منذ ثورة أكتوبر 1964، مروراً بأحداث عام 1972، وصولاً إلى التحديات الراهنة التي تواجه الدولة السودانية.

واستعرض الكباشي ما وصفه بظهور ظاهرة ابن عمر في سياق أحداث عام 1972، المعروفة بثورة شعبان، مشيراً إلى أن تلك المرحلة شهدت بروز مجموعة من الشباب والناشطين الذين حملوا تطلعات سياسية واجتماعية، من بينهم أحمد عثمان، وحافظ الشيخ الذاكي، وحافظ جمعة سهل، الذي وصفه بأنه امتلك قدرات خطابية وشخصية قيادية متميزة.

وفي تحليله لمفهوم الثورة، رأى الكباشي أنها قد تتحول إلى حالة انفعالية جماعية إذا لم تستند إلى مشروع وطني ومؤسسات قادرة على إدارة التغيير، محذراً من أن الحركات الثورية يمكن أن تفقد أهدافها إذا وقعت تحت تأثير قوى أكثر تنظيماً وقدرة على توجيه مساراتها.

وخلص إلى أن التجربة السودانية، عبر عقود من التحولات السياسية، ظلت تواجه معضلة العلاقة بين الحرية وبناء الدولة، حيث تعثرت محاولات الجمع بين الحكم الرشيد والمؤسسات المستقرة والحقوق السياسية.

وفي جانب آخر من مداخلته، طرح الكباشي رؤيته بشأن التدخلات الخارجية في الشأن السوداني، معتبراً أن الأزمة الراهنة لا يمكن فصلها عن صراعات المصالح الإقليمية والدولية، وأن السودان يواجه تحديات استراتيجية تستهدف، بحسب تقديره، التأثير في قراره الوطني ووحدته واستقراره.

وأشار إلى أن جذور ما يجري اليوم تعود، في قراءته، إلى تطورات سياسية وعسكرية بدأت منذ ثمانينيات القرن الماضي، مستشهداً بمنفستو حركة تحرير السودان لعام 1983، وما قال إنه يتضمنه من مؤشرات على مسارات الصراع اللاحقة.

كما تحدث عن معلومات ووثائق قال إنها تتناول خططاً سابقة مرتبطة بتطور الصراع في السودان، مشيراً إلى أن بعض الترتيبات المتعلقة باستخدام المقاتلين والمرتزقة تعود إلى الأعوام 2003 و2004 و2005، وفقاً لما أورده في مداخلته، ودعا إلى قراءة هذه التطورات في سياقها التاريخي والاستراتيجي.

وتوقف الكباشي عند قضية الشباب السوداني، مشيراً إلى أن البلاد تمتلك طاقات بشرية كبيرة ومؤسسات جامعية واسعة الانتشار، لكنه حذر من أن تعطّل الخريجين وغياب فرص العمل وتحقيق الطموحات قد يؤدي إلى الإحباط، ويجعل الشباب أكثر عرضة للاستقطاب والتوظيف في الصراعات السياسية والعسكرية.

وأكدت مداخلته أهمية الانتقال من إدارة الأزمات إلى بناء مشروع وطني يستوعب الشباب، ويستثمر قدراتهم العلمية، ويعيد الاعتبار للتعليم والعمل والإنتاج بوصفها ركائز أساسية لاستقرار الدولة.

الدكتور الكباشي البكري: فقدٌ لكردفان ودار الريح وأهلها

من جانبه، قدم الدكتور الكباشي البكري، نجل الشيخ الجيلي الكباشي، شهادة إنسانية مؤثرة عن الراحل، وصف فيها رحيله بأنه خسارة للأمة السودانية والإسلامية، ولكردفان الكبرى ودار الريح بمكوناتها الاجتماعية والقبلية كافة.

وقال إن ابن عمر لم يكن شخصية عابرة في حياة الناس، بل كان حاضراً في وجدان المنطقة، بما امتلكه من علاقات إنسانية أصيلة ومواقف تركت أثراً عميقاً في نفوس معارفه وأصدقائه.

واستعاد البكري ذكرياته مع الفقيد منذ مطلع ثمانينيات القرن الماضي، عندما كان يزور والده وصديقه الشيخ الفكي الشيخ الجيلي الكباشي في داره، موضحاً أن العلاقة بين الرجلين لم تكن مجرد زيارات اجتماعية عابرة، وإنما جسدت معاني المحبة الصادقة والوفاء والتواصل الإنساني.

وأشار إلى أن تلك اللقاءات كانت تمتد أياماً وليالي في أجواء من الألفة والبشاشة، معتبراً أن ما جمع الرجلين يمثل نموذجاً للعلاقات الاجتماعية التي تتجاوز المصالح الآنية، وتستند إلى صفاء النفوس وعمق الروابط الإنسانية.

ووصف الراحل بأنه شخصية استثنائية ذات حضور مؤثر، استطاعت أن تقدم دروساً عملية في الحياة والسلوك والعلاقات الاجتماعية، وهي دروس لا يمكن للجامعات وحدها أن تمنحها للإنسان.

واختتم شهادته بالتأكيد على أن غياب ابن عمر لا يمثل خسارة لأسرته وأصدقائه فحسب، بل فقداً لرجل ارتبط اسمه بأرضه وأهله، وترك بصمته في ذاكرة كردفان ودار الريح.

مدارس الأقمار.. مشروع ابن عمر لإنقاذ أطفال القرى من مشقة التعليم

ومن أكثر الشهادات التي استأثرت باهتمام الحضور، شهادة أحد زملاء الراحل في الجامعة، الذي استعاد محطات من مسيرته، وتوقف بصورة خاصة عند مشروعه التعليمي الطموح، المتمثل في إنشاء مدارس الأقمار لخدمة الأطفال في القرى الصغيرة والمناطق النائية.

واستهل الشاهد حديثه بمفارقة مؤثرة، مشيراً إلى أن الحاضرين كانوا قد اجتمعوا في القاعة نفسها يوم 24 سبتمبر الماضي لتلقي العزاء في أحد أفراد أسرة ابن عمر، وكانت دار الأسرة في القاهرة مقراً للعزاء، قبل أن يعودوا في 24 أكتوبر إلى المكان نفسه لتأبين ابن عمر شخصياً.

ووصف الراحل بأنه فارس متعدد المواهب والقدرات، لم يستمد مكانته من الشدة أو القوة الجسدية، وإنما من قدرته على تجاوز الصعاب، وبناء العلاقات، وتحويل الأفكار إلى مشروعات تخدم المجتمع.

وقال إن ابن عمر انطلق من بابنوسة، التي وصفها بأنها بعيدة عن مراكز الاهتمام، وشق طريقه بالصبر والمثابرة، حتى أصبح علماً بارزاً في محيطه الاجتماعي والوطني.

وأضاف أن شخصيته جمعت بين أصالة الريف وانفتاح المدينة، وبين التمسك بالجذور والقدرة على مواكبة متطلبات العصر، فكان كمن ينثر بذور الخير في أكثر من مكان، ويترك أثراً أينما حل.

مدارس الأقمار.. التعليم يصل إلى الأطفال بدلاً من أن يطاردوه

وكشف زميل الراحل عن جانب مهم من رؤيته للتعليم، تمثل في تأسيس المنظمة الوطنية للتعليم، والعمل على تنفيذ فكرة مدارس الأقمار لخدمة القرى الصغيرة التي لا تتوافر فيها مدارس كافية.

وأوضح أن الفكرة انطلقت من إدراك ابن عمر لمعاناة الأطفال الذين يضطرون إلى قطع مسافات طويلة يومياً للوصول إلى المدارس في القرى الكبيرة، وما يترتب على ذلك من مشقة ومخاطر قد تحرم كثيرين منهم من مواصلة تعليمهم.

وبحسب الشهادة، عمل الراحل على التنسيق مع سلطات التعليم لإنشاء فصول دراسية في القرى الصغيرة، تستوعب التلاميذ في الصفوف الأول والثاني والثالث، قبل انتقالهم لاحقاً إلى المدارس الأكبر لاستكمال تعليمهم.

وتقوم فلسفة المشروع على تقريب فرص التعليم من الأطفال، وتقليل الأعباء التي تتحملها الأسر الريفية، والحد من التسرب المدرسي، وتوفير بيئة تساعد على استمرار العملية التعليمية في المناطق التي تعاني ضعف الخدمات.

وأشار الشاهد إلى أن المشروع لم يكن مجرد فكرة نظرية، بل ارتبط بجهود ميدانية وتضحيات من أشخاص آمنوا برسالته، مستذكراً زميلهم محمد الفاضل، الذي قال إنه استشهد أثناء توجهه لافتتاح أحد الفصول الدراسية التابعة للمشروع.

وتكشف هذه الشهادة عن جانب أساسي من شخصية ابن عمر، الذي لم ينظر إلى التعليم باعتباره خدمة حكومية فحسب، بل رآه مدخلاً لتحقيق العدالة الاجتماعية، وتغيير واقع المجتمعات الريفية، وفتح آفاق جديدة أمام الأجيال القادمة.

فهم الدين وتحويله إلى مشروع مجتمعي

وفي ختام شهادته، لخّص زميل الراحل فلسفته في ثلاث كلمات ومفاهيم مترابطة: فهم الدين، وتحويل هذا الفهم إلى مشروع يخدم أهل دار الريح، والنظر إلى السياسة من زاوية المسؤولية تجاه المجتمع.

وأوضح أن ابن عمر كان يرى في خدمة الناس واجباً يتجاوز الشعارات، وأن الالتزام الديني ينبغي أن ينعكس في العمل العام، وتوفير التعليم، وتحسين حياة المواطنين، والنهوض بالمنطقة التي ينتمي إليها.

وبهذا الفهم، لم تكن السياسة عنده مجرد تنافس على المواقع، بل وسيلة لتحقيق غايات اجتماعية وتنموية، ترتبط بكرامة الإنسان وحقه في التعليم والاستقرار والحياة الكريمة.

 

 

عكست الشهادات التي قُدمت خلال التأبين تعدد جوانب شخصية الخليفة ابن عمر محمد أحمد عبدالهادي تابرية؛ فهو الدبلوماسي الذي مثّل السودان خارج حدوده، والخبير التربوي الذي أدرك أهمية التعليم، والمهتم بالتنمية المحلية الذي سعى إلى نقل القرى من دائرة الحرمان إلى آفاق الاستقرار، والرجل الاجتماعي الذي ترك أثراً في نفوس أصدقائه وأهله.

كما أبرز اللقاء الدور الذي يمكن أن تضطلع به القيادات المجتمعية في ربط المعرفة بالعمل، وتحويل المبادرات الفردية إلى مشروعات تنموية مستدامة، خصوصاً في المناطق التي تحتاج إلى جهود متواصلة لإعادة بناء الخدمات واستعادة الحياة الطبيعية.

وفي وقت تواجه فيه مناطق واسعة من السودان تحديات الحرب والنزوح وتراجع الخدمات، تكتسب تجربة الراحل أهمية خاصة من زاوية الدروس التي تقدمها في مجالات التعليم والعمل الأهلي وبناء الإنسان.

ولعل أبرز ما يمكن استخلاصه من سيرته أن التنمية لا تبدأ بالموارد وحدها، وإنما تبدأ بالعقول التي تؤمن بالتغيير، وبالقيادات التي تحوّل الأفكار إلى برامج عملية، وبالمجتمعات التي تتمسك بحق أبنائها في مستقبل أفضل.

رحل الخليفة ابن عمر، لكن الأسئلة التي حملها، والمشروعات التي عمل من أجلها، والأحلام التي زرعها في أرض دار الريح، تظل أمانة في أعناق من عرفوه وعملوا معه.

فالتكريم الحقيقي لا يكتمل بالدموع والكلمات، وإنما يتحقق حين تتحول الذكرى إلى عمل، وتصبح مدارس الأقمار نموذجاً يُحتذى، وتجد القرى نصيبها من التنمية، ويواصل الشباب مسيرة البناء التي آمن بها الراحل.

وهكذا ودّع منبر دار الريح «مدار» فقيداً من رجالاته، لكنه أبقى سيرته حاضرة بوصفها دعوة مفتوحة لمواصلة العطاء، ورسالة تؤكد أن الرجال الكبار لا يُقاس أثرهم بطول أعمارهم، وإنما بما يتركونه من علم وعمل وأمل في حياة الناس.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى