🟥 عوض كبسون يكتب: شميلة وقضية أبيي.. حين تكون الخبرة الوطنية جسراً للحل بين المسيرية ودينكا نقوك
🟥. أبيي لا تحتاج إلى مزيد من التعقيد، بل إلى عقول تؤمن بالحوار، وقيادات تمتلك الحكمة، وإرادة سياسية تحوّل الأفكار إلى حلول على أرض الواقع.

تظل قضية أبيي واحدة من أكثر القضايا تعقيداً وحساسية في العلاقات بين السودان وجنوب السودان، ليس فقط بسبب الخلاف حول تبعية المنطقة ومستقبلها السياسي، وإنما أيضاً لما تحمله من روابط تاريخية واجتماعية وإنسانية تجمع بين المسيرية ودينكا نقوك. إنها قضية تتجاوز حدود الجغرافيا والسياسة، وتمس حياة الناس وحقوقهم ومصالحهم المشتركة، وتستدعي حلولاً واقعية تحفظ الكرامة، وتصون الحقوق، وتفتح الطريق أمام سلام مستدام.
وفي خضم هذا التعقيد، تبرز أهمية الاستماع إلى أصحاب الخبرة والمعرفة بتاريخ المنطقة وطبيعة العلاقات بين مكوناتها الاجتماعية. ومن هنا تأتي الدعوة إلى إتاحة الفرصة للأستاذ شميلة لعرض رؤيته ومقترحاته أمام المسؤولين في الدولة، والاستفادة من خبرته في البحث عن مخرج عملي ينهي حالة الجمود، ويؤسس لمرحلة جديدة من التفاهم بين المسيرية ودينكا نقوك.
شميلة.. خبرة تستحق أن تجد طريقها إلى طاولة القرار
إن الحديث عن الأستاذ شميلة ليس مجرد إشادة بشخص أو احتفاء برأي، وإنما هو دعوة إلى توسيع دائرة المشاركة في صناعة الحلول الوطنية، وعدم حصر ملف أبيي في الأطر السياسية والرسمية وحدها، مع إفساح المجال أمام أصحاب المبادرات والرؤى المجتمعية الذين ظلوا يتابعون القضية ويدركون تعقيداتها وتشابكاتها.
فالقضايا الممتدة عبر عقود لا تُحل بالشعارات، ولا تُعالج بتبادل الاتهامات، ولا يكفي فيها تكرار المواقف القديمة دون البحث عن مسارات جديدة. إنما تحتاج إلى عقول تفكر خارج دائرة الأزمة، وشخصيات تستطيع قراءة التاريخ وفهم الواقع واستشراف المستقبل، وتقديم مقترحات قابلة للنقاش والتنفيذ.
وبحسب ما يطرحه المهتمون بقضية أبيي، فإن هناك حاجة ملحة إلى الاستماع إلى مختلف الرؤى التي يمكن أن تسهم في تقريب وجهات النظر، وتخفيف الاحتقان، وبناء الثقة بين المجتمعات المعنية. وفي هذا السياق، فإن إتاحة الفرصة للأستاذ شميلة لتقديم ما لديه من حلول وأفكار أمام الجهات المختصة تمثل خطوة تستحق الاهتمام والدراسة.
فكم من قضية ظلت عالقة لسنوات، ليس بسبب غياب الحلول بالضرورة، وإنما بسبب ضيق مساحة الاستماع، وضعف الإرادة في تحويل الأفكار إلى مبادرات عملية!
أبيي ليست مجرد أرض.. إنها حياة وحقوق ومصالح مشتركة
إن الخطأ الأكبر في التعامل مع قضية أبيي هو اختزالها في حدود إدارية أو حسابات سياسية، مع إغفال الإنسان الذي يعيش على هذه الأرض، وتاريخه، وحقوقه، ومصالحه، وعلاقاته الاجتماعية الممتدة عبر الأجيال.
فالمسيرية ودينكا نقوك ليسوا مجرد طرفين في نزاع سياسي، بل مجتمعان تربطهما علاقات تاريخية واجتماعية ومصالح معيشية متداخلة. وأي حل لا يضع هذه الحقيقة في قلب المعالجة سيظل معرضاً للتعثر، مهما حظي من دعم سياسي أو اتفاقات مكتوبة.
إن المطلوب اليوم هو الانتقال من إدارة الأزمة إلى البحث الجاد عن تسوية مستدامة، تقوم على الحوار المسؤول، واحترام الحقوق، ومعالجة المخاوف المتبادلة، والاحتكام إلى الاتفاقات والمرجعيات ذات الصلة، بما يحفظ كرامة السكان ويجنبهم دفع ثمن الخلافات السياسية.
ولا يمكن بلوغ هذه الغاية دون إشراك الإدارات الأهلية للمسيرية ودينكا نقوك، والاستماع إلى النظار والسلاطين والعُمد والحكماء والشخصيات المجتمعية المؤثرة، باعتبارهم شركاء أساسيين في بناء السلام وتعزيز التعايش.
رسالة إلى القيادة السودانية: استمعوا إلى أصحاب المبادرات
من هنا، فإن الرسالة الموجهة إلى رئيس مجلس السيادة الانتقالي، الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، وإلى الجهات الحكومية المعنية بملف أبيي، تتمثل في ضرورة فتح أبواب الحوار أمام كل جهد وطني يمكن أن يساعد في الوصول إلى حل.
إن الاستفادة من خبرة الأستاذ شميلة ورؤيته، والاستماع إلى مقترحاته بصورة مباشرة، يمكن أن يشكلا مدخلاً لتقييم أفكاره ومناقشة مدى قابليتها للتطبيق، ضمن مسار وطني أوسع يجمع أهل المصلحة والاختصاص.
والمطلوب ليس الاكتفاء بالاستماع المجامل، وإنما إخضاع المقترحات للنقاش الجاد، ودراسة ما يمكن أن تقدمه من حلول عملية، والاستفادة من نقاط الالتقاء التي قد تساعد على تقريب المواقف بين الأطراف المعنية.
كما أن من المهم أن تتكامل الجهود الرسمية مع المبادرات المجتمعية، وأن تتحول الدعوات إلى الحوار الأهلي إلى خطوات ملموسة، وفي مقدمتها عقد منتدى جامع يضم قيادات المسيرية ودينكا نقوك، بمشاركة الجهات الرسمية المختصة، لوضع القضايا الخلافية على طاولة النقاش، والبحث عن أرضية مشتركة للسلام والتعايش.
إن قوة الدولة لا تكمن في احتكار صناعة الحلول، بل في قدرتها على جمع العقول والخبرات والمبادرات حول مائدة واحدة، وتحويل ما تتوافق عليه إلى سياسات وإجراءات تخدم المواطنين.
الحوار الأهلي.. الطريق الذي لا غنى عنه
إن أي تسوية سياسية بشأن أبيي ستظل بحاجة إلى قاعدة اجتماعية متينة تحميها من الانهيار، وهذه القاعدة لا تُبنى إلا بالحوار الصريح بين المجتمعات المعنية.
فالاتفاقات السياسية قد ترسم الأطر العامة، لكن الثقة بين الناس تحتاج إلى عمل مستمر، ومصارحة بالمخاوف، واحترام للمصالح، وإرادة حقيقية لوقف دوائر التوتر.
ومن هذا المنطلق، فإن المقترحات التي تهدف إلى تقريب وجهات النظر بين المسيرية ودينكا نقوك ينبغي أن تجد طريقها إلى النقاش المؤسسي، بعيداً عن المزايدات والاتهامات المسبقة، وبما يضمن عدم فرض حلول على المجتمعات المعنية دون مشاركتها الفاعلة.
كما ينبغي أن يكون الحوار شاملاً، لا يستثني أصحاب الرأي المختلف، ولا يحوّل الخلاف السياسي إلى خصومة اجتماعية دائمة، بل يعمل على بناء تفاهمات تحفظ الحقوق وتفتح آفاق التعاون في مجالات الأمن والتنمية والخدمات وحرية الحركة والمصالح المعيشية المشتركة.
فأبيي تحتاج إلى سلام يشعر به المواطن في حياته اليومية، لا إلى سلام يبقى حبيس الوثائق والاجتماعات.
الخاتمة: لا تهملوا العقول التي تبحث عن الحل
إن قضية أبيي أكبر من أن تُترك رهينة للانتظار، وأهم من أن تُدار بعقلية ردود الأفعال. إنها مسؤولية وطنية وإنسانية تتطلب مشاركة الجميع، من القيادات الرسمية إلى الإدارات الأهلية، ومن الخبراء والباحثين إلى أصحاب المبادرات المجتمعية.
ومن هذا المنطلق، فإن الدعوة إلى الاستفادة من خبرة الأستاذ شميلة ليست نهاية المطاف، بل بداية لخطوة عملية ينبغي أن تتبعها خطوات أخرى، تبدأ بالاستماع الجاد، وتمر بدراسة المقترحات، وتنتهي بتطوير مسار حوار قادر على تحقيق نتائج ملموسة.
ونأمل أن تصل هذه الرسالة إلى المسؤولين في الدولة، وأن يجد الأستاذ شميلة الفرصة المناسبة لعرض رؤيته ومناقشة ما لديه من أفكار بشأن القضية، بما يتيح للجهات المختصة تقييمها والاستفادة مما يمكن أن تقدمه من قيمة مضافة.
فأبيي لا تحتاج إلى مزيد من السنوات الضائعة، بل تحتاج إلى قرار شجاع يفتح أبواب الحوار، وإرادة صادقة تستمع إلى الجميع، وعقول وطنية تجعل من الاختلاف نقطة انطلاق نحو التفاهم، لا سبباً لاستمرار النزاع.
إنصاف الحقوق، واحترام التاريخ، والاستماع إلى أصحاب الخبرة، وإشراك المسيرية ودينكا نقوك في صناعة مستقبلهم، كلها خطوات ضرورية على طريق الحل.
فهل تجد رؤية شميلة طريقها إلى طاولة المسؤولين، لتُناقش أفكاره، وتُختبر مقترحاته، وتُمنح قضية أبيي فرصة جديدة للخروج من دائرة الجمود إلى أفق السلام؟
ذلك ما نأمله، وما ينتظره كل من يؤمن بأن السلام الحقيقي لا يُفرض على الناس، بل يُبنى معهم، وأن مستقبل أبيي يجب أن يكون جسراً للتعايش والاستقرار، لا عنواناً دائماً للخلاف.