🟥 الخير تحت أقدامنا..السفير الشعبي مدني النذير البشرى يكتب: فلماذا ننتظر الحكومة؟.
كبسون نيوز: حيث الخبر

السودان لن ينهض بالكلام والشكوى، بل بسواعد أبنائه.. ومن لا يزرع قوته لن يملك قراره!
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وصباح الخير لكل أبناء الشعب السوداني.
إلى متى نظل نتحدث عن الوطن أكثر مما نعمل من أجله؟ وإلى متى نحمّل الحكومات وحدها مسؤولية فشلنا، بينما نغفل عن مسؤوليتنا نحن تجاه أنفسنا وأسرنا وأرضنا؟
أصبح كل الشعب السوداني يتحدث في شؤون الوطن، وكلٌّ يدلي بدلوه، ويحلل الأوضاع السياسية والاقتصادية، وينتقد الحكومة، ويطالب بالتغيير، وكأن إصلاح السودان مسؤولية جهة واحدة، وكأن المواطن لا دور له في بناء الدولة التي يحلم بها.
نحن لا ننكر مسؤولية الحكومات، ولا نعفي المسؤولين من واجباتهم، ولا نتجاهل الفشل في إدارة الموارد أو التقصير في توفير الخدمات. لكن الحقيقة التي يجب أن نواجه بها أنفسنا هي أن الحكومات وحدها لا تصنع الأوطان، وأن الدولة التي ينتظر شعبها كل شيء من السلطة ستظل عاجزة، مهما امتلكت من ثروات وإمكانات.
المشكلة ليست دائماً فيمن يحكم، بل في طريقة تفكيرنا أيضاً؛ في اعتمادنا على الآخرين، وفي انتظارنا للحلول الجاهزة، وفي ميلنا إلى الكلام أكثر من العمل، وفي قدرتنا على انتقاد الفشل دون أن نسأل أنفسنا: ماذا قدمنا نحن حتى يتغير الواقع؟
السودان.. سلة غذاء العالم التي تنتظر من يزرع أرضها!بلد يمتلك الأراضي الزراعية الشاسعة، والمياه، والثروة الحيوانية، والموارد الطبيعية، والمساحات التي يمكن أن تتحول إلى مزارع ومشروعات إنتاجية ضخمة، ومع ذلك يعاني مواطنوه من الغلاء والفقر ونقص الغذاء، ويظل بعضهم في انتظار الإغاثة والمساعدات.
كيف لدولة بهذه الإمكانات أن تحتاج إلى الآخرين لتوفير احتياجات شعبها الأساسية؟
وكيف لأرض بهذا الاتساع والخصوبة أن تعجز عن إطعام أهلها؟
إن السودان لا تنقصه الخيرات بقدر ما يحتاج إلى حسن استغلالها، ولا تنقصه الأرض بقدر ما يحتاج إلى سواعد تعمل، وعقول تخطط، وإرادة تنتقل به من دائرة الاستهلاك إلى رحاب الإنتاج.
نحن لا نحتاج إلى اكتشاف ثروات السودان من جديد، بقدر ما نحتاج إلى اكتشاف قيمة العمل في نفوسنا.
فالأرض التي لا نزرعها لن تطعمنا، والموارد التي لا نستثمرها لن تنقذ اقتصادنا، والثروة التي تظل حبيسة باطن الأرض لن تتحول وحدها إلى مدارس ومستشفيات وطرق وكهرباء.
لو أنتج كل بيت.. لتغير وجه السودان!دعونا نبدأ من أبسط الأشياء، بعيداً عن الشعارات الكبيرة والخطط التي تنتظر سنوات حتى ترى النور.
ماذا لو قررت كل أسرة سودانية، بحسب إمكاناتها ومساحة منزلها، أن تبدأ مشروعاً إنتاجياً صغيراً؟
ماذا لو ربّى كل بيت يستطيع ذلك بعض الدجاج والحمام، أو عنزة أو اثنتين، وزرع ما تيسر له من الخضروات في حوش المنزل؟
ماذا لو تحولت الأسطح والأفنية والمساحات المتاحة إلى حدائق صغيرة تنتج الطماطم والبصل والملوخية والبامية وغيرها من المحاصيل التي تستهلكها الأسرة يومياً؟
وماذا لو تعاون الجيران في الأحياء والقرى على إنشاء مشروعات صغيرة للإنتاج الحيواني والزراعي، وتبادل المنتجات، وتسويق الفائض، وتوفير احتياجات المجتمع المحلي؟
قد يرى البعض أن هذه أفكار بسيطة، لكنها في الحقيقة تمثل بداية تغيير كبير إذا تحولت إلى ثقافة مجتمعية واسعة، مع مراعاة ظروف الأسر وتوفير المياه والرعاية البيطرية والاشتراطات الصحية.
فالأسرة التي تنتج جزءاً من غذائها تخفف أعباء المعيشة، والمجتمع الذي ينتج احتياجاته يقل اعتماده على الأسواق الخارجية، والدولة التي يتوسع فيها الإنتاج المحلي تصبح أكثر قدرة على مواجهة الأزمات.
نحن لا نقول إن تربية الدجاج أو زراعة حوش المنزل ستغنينا عن الدولة، أو أننا لن نحتاج إلى الحكومة والخدمات العامة، فهذه مسؤوليات أساسية لا يمكن الاستغناء عنها.
لكننا نقول إن الإنتاج المنزلي والمجتمعي يمكن أن يكونا خط الدفاع الأول عن الأسرة السودانية في مواجهة الغلاء والفقر وانقطاع الإمدادات.
فلماذا ننتظر أن تحل الحكومة كل مشكلاتنا، بينما نستطيع أن نبدأ من بيوتنا، ثم نطالبها في الوقت نفسه بتوفير الخدمات والبنية التحتية والدعم اللازم للإنتاج؟
من المؤلم أن نرى كيف أصبح الحديث عن السياسة عند بعضنا أسهل من العمل في الأرض، وكيف تحول انتقاد المسؤولين إلى نشاط يومي، بينما لا نجد الحماسة نفسها في المبادرات الإنتاجية والتطوعية التي تخدم المجتمع.
نختلف حول من يحكم، ونتجادل حول من يستحق المنصب، ونتبادل الاتهامات بشأن أسباب الأزمة، لكننا نادراً ما نجلس بالقدر نفسه من الجدية لنتحدث عن كيفية زيادة الإنتاج، أو إنشاء مشروع زراعي، أو دعم المزارعين، أو توفير فرص عمل للشباب.
نريد الطرق المعبدة، لكننا لا نتعاون دائماً على حماية مرافقنا العامة.وذنريد الأسواق الرخيصة، لكننا لا نهتم بما يكفي بزيادة الإنتاج المحلي.
نريد فرص العمل، لكننا أحياناً نقلل من قيمة المهن الإنتاجية والحرفية، ونبحث عن الوظيفة المكتبية باعتبارها الطريق الوحيد للنجاح.
نريد أن تتحسن أحوالنا، لكننا ننتظر أن يبدأ الآخرون التغيير.
وهنا تكمن المشكلة الحقيقية: حين يصبح الكلام بديلاً عن العمل، والشكوى بديلاً عن المبادرة، وانتظار المساعدة بديلاً عن الإنتاج، فإن الأزمات ستتجدد مهما تغيرت الحكومات.
ليس عيباً أن نطالب بحقوقنا، وليس خطأً أن ننتقد أداء المسؤولين، فالمواطن من حقه أن يحاسب حكومته ويطالبها بالشفافية والعدالة والخدمات.
لكن العيب أن نطالب الآخرين بالعمل ونحن لا نريد أن نتحرك، وأن نحمّل الدولة مسؤولية كل صغيرة وكبيرة، ثم لا نسأل أنفسنا عما يمكننا فعله لتغيير واقعنا.
الوطنية ليست هتافاً.. الوطنية عمل وإنتاج!
الوطنية ليست مجرد رفع الشعارات، ولا كثرة الحديث عن حب السودان، ولا الدخول في معارك سياسية على مواقع التواصل الاجتماعي.
الوطنية الحقيقية أن تحافظ على أرضك، وأن تنتج من خيراتها، وأن تحترم المال العام، وأن تتقن عملك، وأن تربي أبناءك على المسؤولية، وأن تساهم في حل مشكلات مجتمعك بدلاً من الاكتفاء بتضخيمها.
الوطنية أن يكون المزارع فخوراً بفأسه، والراعي معتزاً بقطيعه، والعامل مقدراً لجهده، والمعلم مخلصاً لرسالته، والتاجر أميناً في تجارته، والمسؤول مدركاً أن المنصب تكليف لا تشريف.
الوطنية أن نعلم أبناءنا أن قيمة الإنسان ليست في المظاهر، ولا في المناصب، ولا في قدرته على الحديث عن الآخرين، بل في قدرته على الإنتاج والإبداع وخدمة المجتمع.
وإذا كنا نريد للسودان أن يكون سلة غذاء العالم، فعلينا أن نبدأ أولاً بجعله قادراً على إطعام شعبه.
وإذا كنا نريد اقتصاداً قوياً، فعلينا أن نزرع ونصنع ونربي الماشية ونستثمر مواردنا، بدلاً من الاعتماد المستمر على استيراد ما يمكن أن ننتجه محلياً.
لا يمكن أن نبني دولة منتجة بعقلية المستهلك، ولا أن نصنع مستقبلاً أفضل بثقافة انتظار الحلول الجاهزة.
لا تجعلوا السياسة تسرق أعماركم!
يا أبناء السودان، السياسة مهمة، ومحاسبة الحكومات واجب، والمشاركة في الشأن العام حق أصيل للمواطن، لكن السياسة يجب ألا تتحول إلى بديل عن الحياة والعمل والإنتاج.
لا تجعلوا خلافات السياسيين تعطل مستقبل أبنائكم، ولا تسمحوا للصراعات أن تشغلكم عن الزراعة والتجارة والتعليم والحرف والمشروعات الصغيرة.
قد تختلفون حول الحكومة، لكنكم تستطيعون الاتفاق على زراعة أرضكم.
وقد تختلفون حول الأحزاب، لكنكم تستطيعون التعاون من أجل توفير الغذاء لأطفالكم.
وقد تتباين آراؤكم بشأن إدارة الدولة، لكنكم تستطيعون تأسيس جمعية تعاونية، أو دعم مزارع، أو إنشاء مشروع إنتاجي يخدم الحي والقرية.
فلماذا ننتظر الاتفاق على كل شيء حتى نبدأ العمل فيما نتفق عليه جميعاً؟
إن المجتمعات التي تنهض لا تنتظر زوال جميع خلافاتها، بل تتعلم كيف تعمل رغم الاختلاف، وكيف تحول إمكاناتها الصغيرة إلى مشروعات كبيرة، وكيف تجعل من التعاون طريقاً للتنمية والاستقرار.
رسالتي إلى الحكومة والمواطن معاً
إلى الحكومة: لا يكفي أن تطالبوا المواطنين بالإنتاج، بل عليكم تهيئة الظروف التي تمكنهم منه؛ بتوفير مدخلات الزراعة، وتحسين خدمات المياه والكهرباء، ودعم صغار المنتجين، وتسهيل التمويل، وفتح الأسواق، وتأهيل الطرق، وحماية المنتجين من الاستغلال، وتوفير الخدمات البيطرية والإرشاد الزراعي.
وعليكم أن تجعلوا الإنتاج أولوية وطنية، وأن تنتقلوا من إدارة الأزمات إلى صناعة الحلول المستدامة.
وإلى المواطن السوداني: لا تنتظر أن تتحسن كل الظروف حتى تبدأ، ولا تجعل تعثر الدولة مبرراً لتعطيل قدراتك. ابدأ بما تستطيع، وبما تسمح به إمكاناتك، واعمل مع أسرتك ومجتمعك، وطالب بحقوقك في الوقت نفسه.
وإلى الشباب: لا تحصروا أحلامكم في الوظيفة الحكومية، فالسودان يحتاج إلى المزارع الحديث، والمربي، والصانع، والحرفي، ورائد الأعمال، وصاحب المشروع الصغير، مثلما يحتاج إلى الطبيب والمهندس والمعلم.
وإلى أهل القرى والأرياف: حافظوا على الأرض، وأعيدوا الاعتبار للزراعة والثروة الحيوانية، وشجعوا أبناءكم على التعليم والعمل معاً، واجعلوا من التعاون وسيلة لتحسين حياتكم.
فالثروة الحقيقية ليست فقط في باطن الأرض، وإنما في الإنسان الذي يعرف كيف يستخرجها وينميها ويحولها إلى حياة كريمة.
واخيرا:- إذا لم نغيّر أنفسنا، فلن يتغير واقعنا!
هناك حكومات تخطئ، ومسؤولون يقصرون، وسياسات تفشل، وأزمات لا يستطيع المواطن وحده حلها. لكن هناك أيضاً مسؤولية فردية ومجتمعية لا يجوز أن نتخلى عنها.
لن يصبح السودان قوياً بمجرد تغيير حكومة بأخرى، إذا ظلت ثقافة الاعتماد على الغير كما هي.
ولن ينتهي الفقر بالشعارات، إذا لم تتوسع فرص العمل والإنتاج.
ولن نحقق الاكتفاء الغذائي إذا ظلت الأراضي مهملة، والمشروعات معطلة، والمنتجون يواجهون صعوبات دون دعم كافٍ.
إن التغيير الذي نريده يبدأ من الإنسان، ويمتد إلى الأسرة، ثم الحي والقرية، وصولاً إلى الدولة كلها.
فلنزرع حيث نستطيع، ولننتج بما نملك، ولنتعاون فيما بيننا، ولنحاسب حكوماتنا على واجباتها دون أن نتخلى عن واجباتنا.
فالسودان ليس فقيراً في خيراته، لكنه يحتاج إلى إرادة تحسن استغلال هذه الخيرات، وعقلية تؤمن بأن العمل طريق الكرامة، وأن الإنتاج أساس الاستقلال.
ولا تنسوا أن الأمم لا تعيش على ما تمتلكه من ثروات فحسب، بل على ما تحسن صنعه بهذه الثروات.
الخير تحت أقدامنا، والأرض أرضنا، والموارد مواردنا، والسواعد سواعد أبنائنا.. فإلى متى نظل ننتظر من الآخرين أن يبنوا لنا وطناً، بينما نستطيع جميعاً أن نشارك في بنائه؟
دعونا نقلل من الضجيج، ونزيد من العمل، ونترك للأجيال القادمة وطناً يفتخر أبناؤه بما ينتجونه، لا بما ينتظرونه من الآخرين.
فالسودان لن ينهض بكثرة المتحدثين عن أزماته، وإنما بكثرة العاملين على حلها.