🟥 السفير الشعبي مدني النذير يكتب: حين يصبح المجد مسؤولية.. مدني النذير يحيّي البرهان ويؤكد: جبل أولياء على العهد.
كبسون نيوز: حيث الخبر

ليست المشكلة في أن نفتخر بتاريخنا، ولا أن نستعيد أمجاد أجدادنا، فالأمم التي لا تعرف تاريخها لا تستطيع أن تبني مستقبلها. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول التاريخ من مصدر إلهام إلى وسيلة لتعويض عجز الحاضر، وعندما يصبح الحديث عن القيم أسهل من ممارستها، وعن الأمجاد أكثر حضوراً من العمل الذي يصنع أمجاداً جديدة.
الغرب، في كثير من جوانب حياته، أدرك قيمة الانضباط والعمل واحترام القانون وإتقان المهنة، فاستطاع أن يحول كثيراً من المبادئ الإنسانية إلى مؤسسات وممارسات. وهي قيم لا تتعارض مع روح ديننا الحنيف، بل نجد أصولاً راسخة لها في تعاليم الإسلام، وفي مقدمتها قوله تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾.
أما نحن، فكثيراً ما نتغنى بالكرم والشهامة والمروءة والنجدة وإغاثة الملهوف، ونستحضر أمجاداً عمرها مئات السنين، لكن السؤال الذي ينبغي أن نواجه به أنفسنا هو: ماذا فعلنا بهذه القيم اليوم؟
إن قيمة الحضارة لا تقاس فقط بما تركه الأجداد، وإنما بما يضيفه الأبناء.
وقد قدمت الحضارة العربية والإسلامية للبشرية إسهامات عظيمة في مختلف مجالات المعرفة. ويكفي أن نتذكر العالم والطبيب المسلم ابن النفيس، الذي وصف الدورة الدموية الصغرى في القرن الثالث عشر الميلادي، في واحدة من المحطات المهمة في تاريخ الطب الإنساني.
وهذا التاريخ ينبغي ألا يدفعنا إلى الشعور بالتفوق على الآخرين، بل إلى استعادة الثقة بالنفس، وإحياء ثقافة العلم والعمل والإبداع، حتى يصبح لنا في حاضرنا ما يحق لأبنائنا أن يفخروا به غداً.
العالم من حولنا.. صراع مصالح لا يعرف العواطف
في السياسة الدولية، لا تتحرك الدول الكبرى دائماً وفق العواطف أو المبادئ المعلنة، وإنما وفق مصالحها الاستراتيجية والاقتصادية والأمنية. وقد شهد التاريخ الحديث نماذج عديدة من الصراعات والتدخلات وإعادة تشكيل الخرائط والتحالفات.
ومن السياسات التي لا تزال آثارها حاضرة في النقاش الدولي، ما جرى للسكان الأصليين في الولايات المتحدة، وما صاحب قيام الدولة الحديثة من تحولات سكانية وسياسية عميقة.
كما ارتبط اسم وزير الخارجية الأمريكي الأسبق هنري كيسنجر بمرحلة شديدة التعقيد من السياسة الدولية، وشهدت سنوات عمله ملفات وصراعات وتحولات كبرى في مناطق مختلفة من العالم.
واليوم، تقف المنطقة العربية والإسلامية أمام مشهد أكثر تعقيداً، من فلسطين إلى العراق وليبيا واليمن وسوريا، وصولاً إلى السودان الذي يعيش حرباً مدمرة أكلت الأخضر واليابس، ودفعت الملايين إلى النزوح، وأثرت في بنية الدولة والمجتمع والاقتصاد.
لكن الأخطر من الحرب نفسها هو أن تتحول الانقسامات الداخلية إلى وقود دائم لها.
السودان.. عندما يصبح التوحد ضرورة وطنية
الحرب السودانية ليست مجرد مواجهة عسكرية، وإنما أزمة وطنية عميقة كشفت هشاشة الكثير من البنى السياسية والاجتماعية، وأكدت أن السودان لن يخرج من أزمته إلا بإرادة وطنية تتجاوز الحسابات الضيقة.
ولهذا فإن التوحد اليوم ليس شعاراً للاستهلاك السياسي، وإنما ضرورة لحماية الدولة والمجتمع والإنسان السوداني.
علينا أن نختلف في السياسة، وأن تتعدد رؤانا ومواقفنا، لكن يجب ألا نختلف حول الوطن.
جبل الأولياء.. هنا يكتب الصمود حكايته
وفي قلب هذه الظروف القاسية، تقدم جبل الأولياء وقراها التسع عشرة نموذجاً جديراً بالتوقف عنده.
هناك، حيث الرصاص والمدافع والراجمات والمسيرات، ظل المواطنون يتمسكون بأرضهم وبيوتهم، ويحاولون مواصلة حياتهم رغم الخوف والمخاطر.
يخرج العامل إلى عمله، ويذهب الموظف إلى موقعه، ويبحث رب الأسرة عن قوت أطفاله، ثم يعود الجميع إلى منازلهم، وكأنهم يقولون للحرب بصمت: لن تنتزعوا منا حقنا في الحياة.
وتظل العسَّال، بما تحمله من هدوء وذكريات وألفة، رمزاً لمكان تشبث أهله بأرضهم رغم قسوة الظروف.
إن هذا الصمود ليس مجرد موقف عابر، وإنما مسؤولية تاريخية تفرض على أبناء المنطقة أن يتكاتفوا، وأن يجعلوا من حماية إنسانها وتنمية مجتمعها والمحافظة على تاريخها هدفاً مشتركاً.
فالمناطق لا تنهض بالخلافات، ولا تُصان بالانقسامات، وإنما تتقدم عندما يتقدم أبناؤها صفاً واحداً.
من الوفاء للشهداء أن نبني المستقبل
ولا يمكن الحديث عن الصمود دون استحضار أولئك الذين دفعوا أرواحهم ثمناً للوطن.
التحية والتقدير لكل الشهداء الذين افتدوا الأرض والعرض بدمائهم، ولكل أسرهم وذويهم، ولكل من وقف في هذه الحرب مدافعاً عن وطنه ومتمسكاً بوحدته.
كما نرفع التحية لرئيس مجلس السيادة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، وللفريق الركن ياسر العطا، والفريق الركن شمس الدين كباشي، والفريق الركن إبراهيم جابر، والفريق مالك عقار، والدكتور جبريل إبراهيم، والقائد مصطفى تمبور، والمارشال مني أركو مناوي، ولسائر القيادات والقوات التي تقف في ساحات المسؤولية.
لكن الوفاء الحقيقي للشهداء لا يكون فقط برفع صورهم أو ترديد أسمائهم، وإنما ببناء السودان الذي حلموا به: سودان آمن، موحد، عادل، قوي، يتسع للجميع.
المجد ليس ما ورثناه.. بل ما سنتركه
في النهاية، علينا أن نعيد تعريف مفهوم المجد.
المجد ليس أن نقول إن أجدادنا كانوا عظماء، وإنما أن نكون نحن جديرين بأن يقول أبناؤنا عنا الشيء نفسه.
وليس كافياً أن نتحدث عن الشهامة والمروءة والكرم، بل علينا أن نجعلها سلوكاً في تعاملنا مع بعضنا البعض.
وليس كافياً أن نقول إن السودان بلد عظيم، بل علينا أن نعمل حتى يصبح عظيماً بالفعل.
فالتاريخ الذي نفتخر به كان يوماً حاضراً عاشه رجال ونساء سبقونا، والمستقبل الذي نحلم به لن يصنعه أحد نيابةً عنا.
ومن هنا تبدأ مسؤوليتنا:
أن نتوحد، أن نتعاون، أن نحمي الإنسان، وأن نحول الألم إلى إرادة، والحرب إلى درس، والماضي إلى قوة تدفعنا نحو المستقبل.
فقد يكون الوطن اليوم جريحاً، لكنه ما زال واقفاً.
وجبل الأولياء تقول: نحن هنا.. وسنبقى هنا، لأن الأرض التي سكنها الأجداد لا ينبغي أن تضيع من أيدي الأبناء..