🟥 التصعيد الحوثي في اليمن وانعكاساته على أمن البحر الأحمر والملاحة الدولية
بورتسودان: ساميه كبسون.

تتسارع التطورات السياسية والأمنية في اليمن، في ظل استمرار التصعيد المرتبط بجماعة الحوثيين وتداعيات الصراع اليمني على أمن المنطقة. وتكتسب هذه التطورات أهمية خاصة بالنظر إلى الموقع الاستراتيجي لليمن وإشرافه على مضيق باب المندب والبحر الأحمر، أحد أهم الممرات البحرية للتجارة العالمية، الأمر الذي يجعل أي اضطراب أمني في المنطقة يتجاوز تأثيره الداخل اليمني ليطال حركة الملاحة الدولية والاقتصاد والأمن الإقليمي.
وفي هذا السياق، ناقش اللقاء التنويري الإعلامي حول مستجدات الأوضاع وانتهاكات وتصعيد الحوثيين وانعكاساته على المنطقة والبحر الأحمر، الذي انعقد اليوم بفندق «هلو»، جملة من القضايا السياسية والأمنية والإنسانية المرتبطة بالأزمة اليمنية، إلى جانب تأثيراتها المحتملة على أمن البحر الأحمر والملاحة الدولية.
قال الدكتور عبد الحق علي إن جوهر الأزمة اليمنية يرتبط، وفقاً للرؤية المطروحة، باستمرار ما وصفه بالتمرد على مؤسسات الدولة وفرض واقع خارج إطار الشرعية الدستورية والقانونية.
وشدد على أن أي تسوية سياسية مستدامة ينبغي أن تقوم على احترام سيادة الجمهورية اليمنية ووحدة أراضيها ومؤسساتها، مؤكداً أن إدارة الأجواء والمطارات والمنافذ السيادية يجب أن تظل من اختصاص الدولة اليمنية ومؤسساتها الرسمية.
وأوضح أن الحكومة اليمنية، وفقاً لموقفها المعلن، تتمسك بالحلول السياسية والقانونية، مع ضرورة احترام سيادة الدولة وعدم فرض ترتيبات سياسية أو أمنية من خارج مؤسساتها الشرعية.
التصعيد الحوثي والدعم الإيراني
وأشار الدكتور عبد الحق إلى استمرار التصعيد العسكري للحوثيين، رغم الجهود والمبادرات الإقليمية والدولية الرامية إلى إنهاء الحرب والتوصل إلى تسوية سياسية شاملة.
وبحسب الطرح الذي قدمه في اللقاء، فإن الدعم الإيراني للحوثيين لا يقتصر على الجانب السياسي، وإنما يشمل – وفقاً للموقف اليمني – نقل خبرات وتقنيات ومكونات ذات استخدام عسكري، بما فيها تقنيات الصواريخ والطائرات المسيّرة.
وحذر من أن استمرار تدفق الأسلحة والتقنيات والخبرات النوعية إلى مناطق سيطرة الحوثيين من شأنه، وفق تقديره، تعزيز القدرات العسكرية للجماعة ورفع مستوى المخاطر الأمنية التي تواجه اليمن ودول المنطقة والملاحة الدولية.
الأجواء والمطارات والسيادة الوطنية
وتناول اللقاء كذلك قضية الرحلات الجوية الإيرانية إلى المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، باعتبارها – وفق الموقف اليمني الرسمي الذي تم عرضه – قضية ترتبط بالسيادة وإدارة الأجواء والمطارات.
وأوضح الدكتور عبد الحق أن المخاوف لا تتعلق بطبيعة الرحلات المدنية في حد ذاتها، وإنما بما قد يترتب على استمرار بعض المسارات الجوية من احتمال استخدامها لنقل خبرات أو معدات أو تقنيات ذات طابع عسكري.
وأكد أهمية تعزيز الرقابة والتحقق من الرحلات الجوية، بما يضمن عدم استغلال الطيران المدني لأغراض عسكرية أو لوجستية مخالفة للقوانين والاتفاقيات المنظمة للطيران الدولي.
البحر الأحمر وباب المندب.. أمن الملاحة على المحك
وأكد الدكتور عبد الحق أن تداعيات التصعيد الحوثي لم تعد محصورة داخل الأراضي اليمنية، وإنما امتدت إلى خطوط الملاحة الدولية في البحر الأحمر وباب المندب.
وأشار إلى أن استهداف السفن التجارية أو المنشآت والموانئ الحيوية يمثل تهديداً مباشراً لحرية الملاحة والتجارة الدولية، خاصة أن باب المندب والبحر الأحمر يشكلان ممراً استراتيجياً لحركة التجارة العالمية وإمدادات الطاقة.
وأوضح أن استمرار التهديدات الأمنية في المنطقة قد يؤدي إلى ارتفاع تكاليف النقل والتأمين، واضطراب سلاسل الإمداد والتجارة والطاقة، فضلاً عن دفع شركات الملاحة إلى استخدام طرق بديلة أكثر كلفة، الأمر الذي قد ينعكس على الأسعار والاقتصادات الإقليمية والدولية.
السودان والبحر الأحمر
وفي سياق متصل، أكد الدكتور عبد الحق أن أمن البحر الأحمر يرتبط بصورة مباشرة بأمن الدول المطلة عليه، وفي مقدمتها السودان، الذي يمتلك ساحلاً استراتيجياً على البحر الأحمر ويطل على واحد من أهم الممرات البحرية الدولية.
وأشار إلى أن أمن البحر الأحمر بالنسبة للسودان لا يمثل قضية خارجية منفصلة عن مصالحه الوطنية، بل يرتبط بالأمن القومي والاستقرار الاقتصادي وحركة التجارة والطاقة.
ولفت إلى أن السودان ظل، منذ عام 2015، من الدول الداعمة للشرعية اليمنية، وفق الرؤية التي طُرحت خلال اللقاء، مؤكداً أن التعاون السوداني اليمني في مجال أمن البحر الأحمر يستند إلى علاقات تاريخية ومصالح مشتركة، ولا يمثل خصومة بين الشعبين السوداني واليمني.
أمن البحر الأحمر مسؤولية مشتركة
وأكد المتحدث أن حماية البحر الأحمر وباب المندب ليست مسؤولية دولة واحدة، وإنما مسؤولية مشتركة للدول المشاطئة والمجتمعين الإقليمي والدولي، باعتبار أن أمن المنطقة يرتبط بصورة مباشرة بحرية التجارة والملاحة الدولية.
وأوضح أن تحويل الأراضي اليمنية إلى منصة لاستهداف الدول المجاورة أو السفن التجارية يمثل تهديداً يتجاوز الحدود اليمنية، الأمر الذي يستدعي تعزيز التعاون الإقليمي والدولي لمعالجة مصادر التهديد، بالتوازي مع دعم الحلول السياسية.
وأشار إلى أن حماية سيادة اليمن واستعادة دور مؤسسات الدولة تمثلان، وفق الرؤية المطروحة، جزءاً أساسياً من معالجة الأزمة، إلى جانب دعم الجهود الرامية إلى إنهاء الصراع وتحقيق الاستقرار.
ا
وشهد اللقاء عرض صور ووثائق تناولت الأوضاع الإنسانية في اليمن، وأشارت المواد المعروضة إلى وجود ملايين النساء والفتيات في دوائر الفقر والجوع والحصار، فضلاً عن نزوح ملايين اليمنيين، مع الإشارة إلى أن النساء يمثلن نسبة كبيرة من النازحين.

كما عُرضت مواد تتحدث عن انتهاكات بحق النساء داخل أماكن الاحتجاز وخلال المداهمات، إلى جانب فيلم وثائقي تناول ما وصفه بانتهاكات جماعة الحوثيين، وما خلفه الصراع من أضرار واسعة في البنية التحتية، وتأثيرات على النساء والأطفال، فضلاً عن استخدام الأطفال في الحرب واعتقال إعلاميين وتدمير أو تعطيل مؤسسات إعلامية وتعليمية وخدمية ومنازل ومساجد.
وتبرز هذه المشاهد حجم الكلفة الإنسانية للصراع، وتؤكد أن معالجة الأزمة اليمنية لا ينبغي أن تقتصر على الجوانب العسكرية والأمنية، وإنما يجب أن تشمل حماية المدنيين، واحترام حقوق الإنسان، وتأمين وصول المساعدات الإنسانية، وإعادة بناء المؤسسات والبنية التحتية التي تضررت جراء الحرب.
مبادئ أساسية لمعالجة الأزمة
وخلص اللقاء إلى التأكيد على عدد من المبادئ، من أبرزها:
التمسك بسيادة الجمهورية اليمنية واستقلال قرارها الوطني.
حماية مؤسسات الدولة وأجوائها ومطاراتها ومنافذها السيادية.
رفض استخدام الأراضي والأجواء والمطارات اليمنية لأغراض عسكرية أو لخدمة أجندات خارجية.
مواجهة تهريب الأسلحة والتقنيات والخبرات إلى مناطق سيطرة الحوثيين.
حماية الملاحة الدولية في البحر الأحمر وباب المندب.
دعم المبادرات السياسية الجادة التي تحترم سيادة اليمن ومؤسسات الدولة.
تعزيز التعاون الإقليمي والدولي لمنع تحويل اليمن إلى منصة تهديد للدول المجاورة والملاحة الدولية.
إعطاء الأولوية لحماية المدنيين ومعالجة الأوضاع الإنسانية الناجمة عن الحرب.
خاتمة
تكشف التطورات في اليمن أن الأزمة لم تعد شأناً داخلياً معزولاً، بل أصبحت ذات أبعاد إقليمية ودولية، بالنظر إلى ارتباطها المباشر بأمن البحر الأحمر وباب المندب وحركة التجارة والطاقة العالمية.
وبحسب ما طُرح خلال اللقاء، فإن استمرار التصعيد الحوثي والدعم الخارجي للجماعة يمثلان أحد مصادر القلق على أمن اليمن والمنطقة وسلامة الملاحة الدولية، الأمر الذي يتطلب معالجة متوازنة تقوم على مسارين متوازيين: دعم الحل السياسي واحترام سيادة اليمن ومؤسساته، وتعزيز التعاون الإقليمي والدولي لحماية البحر الأحمر وباب المندب وضمان حرية الملاحة والتجارة الدولية.
ويبقى أمن البحر الأحمر مصلحة مشتركة للدول المشاطئة والمجتمع الدولي، فيما يمثل الوصول إلى سلام مستدام في اليمن، واستعادة دور مؤسسات الدولة، وحماية السيادة الوطنية، إلى جانب تأمين الملاحة الدولية، منظومة مترابطة لا يمكن فصل عناصرها عند البحث عن حلول جادة للأزمة ومنع تحول البحر الأحمر إلى ساحة مفتوحة للتوتر والصراع الإقليمي.