🟥 *همس الحروف * د/ الباقرعبد القيوم يكتب: رسالة إلى الذين لم يحالفهم الحظ في إمتحان الشهادة الثانوية.
كبسون نيوز: حيث الخبر

لقد صمدتم صمود الأبطال ، وظللتم في هذا الوطن الذي أنهكته الحرب ، وتقطعت فيه السبل ، واضطربت فيه المدارس واختلت فيه كثير من المعايير ، وانطفأت فيه الكهرباء ، وظل التعليم نفسه يقاوم من أجل أن يكون واقفاً على قدميه ، واجهتم كل ذلك وأنتم متمسكون بأحلامكم ، وحريصون على مواصلة تعليمكم رغم قسوة الظروف ، فأنتم أوفياء لهذا الوطن ، وما تعثرتم فيه اليوم لا يعني أنكم فاشلون ، فالظروف قد تخذل الإنسان في بعض الأحيان ، ولكنها لا تصنع مستقبله .
كان إعلان نتيجة الشهادة الثانوية السودانية لعام 2026م ، مناسبة عظيمة تستحق أن نتوقف عندها كثيراً ، بعتبارها إنتصاراً عظيماً لإرادة الدولة والمواطنين على قسوة الظروف التي أرادت أن تعطل كل شيء .
التحية لوزارة التربية والتعليم ، ولقياداتها والعاملين فيها ، الذين تمكنوا من إقامة الإمتحانات والوصول بها إلى نهايتها ، وإعلان نتائجها ، رغم كل التعقيدات التي فرضتها الظروف ، والتحية والتقدير لأكثر من ستة آلاف معلم شاركوا في أعمال التصحيح والإعداد والإخراج ، وأعادوا شيئاً من الحياة إلى مقر إدارة إمتحانات السودان ، وهذا العمل في هذه الظروف يؤكد أن التعليم في السودان مهما إشتدت عليه المحن ، لا يزال قادر على الإحتفاظ بجودته .
مبروك النجاح لكل الذين عبروا ونجحوا ، ومبروك لآبائهم وأمهاتهم ، ولمدارسهم ومعلميهم ، ولكل من وقف إلى جوارهم في هذه الرحلة الطويلة ، أقول لهم لقد عبرتم محطة مهمة من محطات الحياة ، فاحتفلوا بإنجازكم ، وأحمدوا الله عليه ، واجعلوا من نجاحكم بداية لطريق أكبر وأجمل .
لكنني اليوم لا أريد أن أكتب عن الذين جلسوا على مقاعد النجاح فقط ، فقد كتبت عن نجاحهم تهاني كثيرة ، وهم يستحقونها بكل تأكيد ، ولكنني أريد أن أخصص هذه المساحة لأولئك الذين لم يحالفهم الحظ هذه المرة ، لأتحدث عن 181500 طالب وطالبة لم تكتب لهم النتيجة التي كانوا ينتظرونها ، ولم تأتهم كما تمنوا ، رغم ما بذلوه من جهد ، وما عاشوه من ظروف قاسية خلال عام دراسي إستثنائي بكل المقاييس .
إليكم أنتم تحديداً أكتب ، فلا تنظروا إلى هذه النتيجة باعتبارها نهاية الطريق ، ولا تسمحوا لها أن تقنعكم بأن مستقبلكم قد ضاع ، أو أن أبواب الحياة قد أُغلقت أمامكم ، فأنتم لم تخسروا مستقبلكم ، ولكن تعثرتم في محطة من محطات الطريق ، والتعثر هنا لا يعني السقوط ، كما أن الاخفاق في أي إمتحان لا يعني الفشل في الحياة ، فالطريق إلي القمة لم يكن في يوم من الأيام مفروشاً بالنجاح المتواصل ، فقد شقه الكثيرون بالصبر والمعاناة ، وتجاوزوا عثراته بالإصرار ، حتى بلغوا ما أرادوا .
يجب أن تعلموا بأن الفشل هو أول خطوة حقيقية لمعرفة كيف ننجح ، وحتى أكون منصفاً معكم ، دعوني أسألكم : كم واحد منكم دخل قاعة الإمتحان وهو يحمل فوق كتفيه هم الحرب ؟ ، وكم منكم حاول أن يذاكر وهو لا يدري متى تأتيه الكهرباء ومتى تنقطع؟ ، وكم منكم فقد استقراره ، وكم منكم إبتعد عن مدرسته ، وعاش أياماً وليالي لم تتوافر فيها أبسط الظروف التي يحتاجها أي طالب هو يستعد لإمتحان مصيري كهذا ؟ .
لقد كنتم تذاكرون في ظروف إستثنائية ، وتحاولون أن تصنعوا لأنفسكم مستقبلاً في وقت كانت فيه الحياة نفسها تكافح من أجل أن تستمر ، ولهذا لا تنظروا إلى هذه النتيجة بمعزل عن كل ما مررتم به ، فقد بذلتم ما استطعتم ، وقاومتم ما لم يكن في مقدوركم تغييره .
فأنتم لم تدرسوا في ظروف طبيعية ، ولذلك لا تجعلوا هذه النتيجة تحكم عليكم ، قد تكون النتيجة قد قالت إنكم لم تنجحوا هذه المرة ، ولكنها لم تقل إنكم عاجزون عن النجاح ، ولم تقل إنكم أقل ذكاء من غيركم ، ولم تقل إن أحلامكم قد إنتهت ، فأنتم شطار ، ولكن الظروف لم تكن رحيمة بكم .
نحن كأولياء أموركم لن نحاسبكم بهذه النتيجة لأننا لم نتمكن من توفير البيئة المناسبة لكم للمذاكرة ، ولهذا يجب ألا نحملكم ثمن هذه الظروف التي لم تصنعوها .
فأنتم ما زلتم في مقتبل العمر ، وأمامكم من السنوات ما يكفي لتعيدوا المحاولة مرة أخرى ، وتراجعوا أخطاءكم ، وتستعيدوا ثقتكم بأنفسكم ، ثم تعودوا إلى ميدان الإمتحان في المرة القادمة وأنتم أكثر خبرة وأشد عزيمة ، فربما يكون هذا الرسوب هو الوجع الذي كنتم تحتاجونه لتعرفوا قيمة النجاح عندما يأتي .
وربما تكون هذه النتيجة هي التي ستدفع أحدكم ، بعد سنوات ، لأن يقف في مكان لم يكن يتخيل يوماً أنه سيصل إليه ، فلا تسمحوا لرقم في الشهادة أن يختصر حياتكم ، ولا تسمحوا لكلمة راسب ان تحطم مستقبلكم .
أنتم طلاب أشاوس ولكنكم تعثرتم في الإمتحان ، ولستم فاشلين في الحياة ، أرفعوا رؤوسكم ، وخذوا نفساً عميقاً ، وأتركوا الحزن يأخذ مساحته ، ولكن لا تتركوه أن يستوطن عندكم .
عودوا إلى كتبكم ، أسألوا أنفسكم أين كانت الثغرات ، واستعينوا بمعلميكم وأهلكم ، وابدأوا من جديد ، فالقمة لا يصل إليها دائماً من بدأ أولاً ، ولكن يصل إليها من واصل الطريق ولم يستسلم عند أول عثرة .
وفي المرة القادمة إن شاء الله ، سنراكم في صفوف المتفوقين ، تحملون شهاداتكم وانتم أكثر فرحاً ، لأنكم ستعرفون يومها أن ذلك اليوم الذي ظننتم فيه أن كل شيء قد إنتهى ، كان في الحقيقة اليوم الذي بدأتم فيه من جديد .
مبارك للناجحين ، ومبارك من الآن للذين سيعودون في المرة القادمة أكثر قوة وإصرار ، وفقكم الله ، وجبر خواطركم ، وفتح لكم أبواب النجاح ، وسدد رميكم ، وكتب لكم في أيامكم القادمة ما يسعد قلوبكم ، فلا تحزنوا ، هذه ليست النهاية ، فهي مجرد محطة من محطات الحياة ، وما زال الطريق أمامكم طويل .
نصر من الله وفتح قريب وبشر المؤمنين
elbagirabdelgauom@gmail.com