🟥 السفير الشعبي مدني النذير البشرى يكتب: رد للمقال: القراءة ليست سباقاً… ولا جنسيةً للقارئ.
كبسون نيوز: حيث الخبر

قرأت مقال الأستاذ أحمد النحاس: «القراءة امتلاك لا اجتياز»، فوجدت فيه دعوة جميلة إلى استعادة العلاقة الحميمة بين القارئ والكتاب، وإلى أن نتعامل مع الأدب بوصفه حياةً أخرى ندخلها، لا صفحاتٍ نقطعها حتى نصل إلى النهاية. وهي دعوة تستحق التأمل، غير أنني أختلف معه في موضع أساسي: القراءة العميقة ليست حكراً على الغرب، والقراءة السريعة ليست عيباً شرقياً.
فالقارئ إنسان قبل أن يكون غربياً أو عربياً، وتفاعله مع الكتاب تحكمه ثقافته وتجربته ومزاجه واحتياجاته، بل وحتى المرحلة التي يمر بها في حياته. قد يقرأ شخص الرواية بحثاً عن المتعة، ويقرأها آخر بحثاً عن المعرفة، ويقرأها ثالث ليكتشف ذاته، بينما يقرأها رابع بعين الناقد. وكل هذه القراءات مشروعة ما دامت تفتح للإنسان باباً إلى معنى جديد.
نعم، نحن بحاجة إلى أن نقرأ ببطء أحياناً، وأن نتوقف عند الجملة الجميلة، وأن نترك للشخصية الروائية فرصة كي تدخل وجداننا. لكننا في المقابل لا ينبغي أن نحاكم القارئ الذي يريد أن يعرف الفكرة أو الرسالة أو النهاية. فالقراءة ليست طقساً واحداً له طريقة مقدسة، وإنما هي علاقة متعددة الأشكال بين الإنسان والنص.
ثم إن الحديث عن «الغرب» باعتباره قارئاً متذوقاً، وعن «نحن» باعتبارنا قراء مستعجلين، يحتاج إلى شيء من المراجعة. ففي تراثنا العربي نماذج هائلة لقارئ لم يكن يمر على النص مروراً عابراً. يكفي أن نتذكر مجالس الشعراء والعلماء، وشروح المعلقات، وكتب النقد والبلاغة، وكيف كان العلماء يقفون عند الكلمة والبيت والجملة، ويختلفون حول دلالاتها وإيحاءاتها. لقد كان الكتاب عند أسلافنا عالماً يُعاش، لا مجرد وسيلة للوصول إلى معلومة.
ولعل المشكلة الحقيقية اليوم ليست في عربيتنا ولا في شرقيتنا، وإنما في عصر السرعة الذي جعل الإنسان يتعامل مع كل شيء بمنطق الاستهلاك. نحن نمر على الأخبار كما نمر على الإعلانات، ونشاهد المقاطع القصيرة، وننتقل من فكرة إلى أخرى قبل أن تكتمل الأولى. وفي ظل هذا الإيقاع السريع أصبحت القراءة العميقة تحدياً عالمياً، لا مشكلة تخص أمة دون أخرى.
والأخطر من سرعة القراءة هو سطحية التلقي.
فقد يقرأ الإنسان رواية في شهر كامل ولا يخرج منها بشيء، وقد يقرأها آخر في يومين ثم تظل شخصياتها وأفكارها تسكنه سنوات. ليست العبرة بعدد الصفحات التي قطعناها، وإنما بما تركته الصفحات في داخلنا.
الكتاب الجيد لا يطالبك دائماً بأن تبكي مع بطله أو أن تتقمص شخصيته حتى تصبح جزءاً منك. أحياناً يكون أجمل أثر للأدب أن يجعلك تفكر، وأن تختلف مع الكاتب، وأن ترفض موقف الشخصية، وأن تسأل نفسك: لماذا فعلت ذلك؟ وهل كان يمكن أن تفعل غيره؟ فالتفاعل مع الأدب ليس بالضرورة ذوباناً في النص، بل قد يكون حواراً معه.
ومن هنا أرى أن «امتلاك القراءة» لا يعني أن نمتلك الشخصيات، بل أن نسمح للنص بأن يمتلك شيئاً فينا: فكرة، سؤالاً، إحساساً، أو حتى موقفاً جديداً من الحياة.
إن القراءة الحقيقية ليست أن نصل إلى آخر صفحة، وليست كذلك أن نقيم في الصفحة الواحدة إلى الأبد. إنها أن نعرف متى نسرع ومتى نتأنى؛ متى نقرأ بعين الباحث، ومتى نقرأ بقلب العاشق، ومتى نضع الكتاب جانباً لأن جملة واحدة دفعتنا إلى التفكير في حياتنا.
ولذلك ربما يكون السؤال الأهم ليس: هل نقرأ كما يقرأ الغرب؟
بل: هل نقرأ كما ينبغي للإنسان أن يقرأ؟
نحن لا نحتاج إلى استيراد طريقة الغرب في القراءة، كما لا نحتاج إلى الدفاع عن طريقة عربية في القراءة. نحن بحاجة إلى أن نستعيد علاقتنا بالكتاب، وأن نعيد للقراءة مكانتها في حياتنا، وأن نربي أبناءنا على أن الكتاب ليس واجباً مدرسياً ولا ترفاً ثقافياً، وإنما نافذة نطل منها على أنفسنا والعالم.
فالقراءة في نهاية الأمر ليست اجتيازاً للصفحات، وليست امتلاكاً لها فقط.
إنها رحلة.
والقارئ الجيد ليس من يصل أولاً إلى نهاية الطريق، ولا من يتأخر فيه أكثر من غيره، وإنما من يعود من الرحلة وقد تغيّر فيه شيء.
وهنا تحديداً تصبح القراءة حياةً أخرى، لا مجرد كتاب آخر.