مقالات وكتاب

🟥 شميله: يهنئ اللواء الركن الخير أبو مريدات ويطالب بإنصاف دينكا أبيي.

كبسون نيوز: حيث الخبر

أبيي ليست مجرد أرض متنازع عليها، بل منطقة ذات تاريخ عريق وروابط اجتماعية عميقة، ومصير ينتظر حلاً عادلاً يحفظ الحقوق ويصون كرامة أهلها، ويعيد الاستقرار إلى المنطقة بعيداً عن التجاذبات السياسية.

إن الحديث عن أبيي لا يمكن اختزاله في الصراع حول الحدود والنفط والانتماء السياسي، بل يجب أن ينطلق من تاريخ المنطقة، والاتفاقيات التي نظمت وضعها، وحقوق سكانها، وفي مقدمتهم مجتمع دينكا نقوك، إلى جانب بقية السودانيين الذين تشملهم المرجعيات القانونية المنظمة لقضية أبيي.

وفي هذا السياق، نتقدم بأصدق التهاني والتبريكات إلى اللواء الركن الخير عبد الله إدريس أبو مريدات بمناسبة تعيينه رئيساً للجنة الإشرافية المشتركة لمنطقة أبيي من الجانب السوداني، متمنين له التوفيق والسداد في أداء هذه المسؤولية الوطنية المهمة، وأن يشكل تعيينه فرصة جديدة للدفع بملف أبيي نحو الحل العادل والنهائي، وتعزيز الأمن والاستقرار والتعايش السلمي بين مكونات المنطقة.

 

 

ترتبط قضية أبيي بتاريخ طويل من التداخل الاجتماعي والقبلي بين المجموعات التي عاشت في المنطقة وما حولها، وفي مقدمتها دينكا نقوك والمسيرية، الذين جمعت بينهم علاقات الجوار والمصالح المشتركة والتواصل الاجتماعي، رغم ما شهدته المنطقة من صراعات وتوترات سياسية وأمنية.

وتكتسب أبيي خصوصيتها التاريخية من ارتباطها بمديريات السودان وحدوده الإدارية السابقة، إذ نص بروتوكول أبيي على أن المنطقة المعنية هي منطقة مشيخات دينكا نقوك التسع التي نُقلت إلى كردفان عام 1905.

ومنذ ذلك التاريخ، ظلت أبيي جزءاً من تعقيدات العلاقة بين شمال السودان وجنوبه، خصوصاً مع تصاعد الخلافات السياسية حول الحدود والموارد الطبيعية ومستقبل المنطقة.

لكن الحقيقة التي ينبغي ألا تغيب عن الجميع هي أن أبيي ليست مجرد مساحة جغرافية، بل موطن لسكان لهم حقوق تاريخية وإنسانية وسياسية يجب أن تُصان، بعيداً عن محاولات فرض الأمر الواقع أو تحويل الخلاف السياسي إلى صراع بين المجتمعات المحلية.

 

 

شكّل بروتوكول حل النزاع في منطقة أبيي، الموقع في 26 مايو 2004 ضمن مفاوضات السلام في نيفاشا بكينيا، إحدى أهم المرجعيات السياسية والقانونية لمعالجة القضية.

وجاء البروتوكول ضمن اتفاقية السلام الشامل التي وقعتها الحكومة السودانية والحركة الشعبية لتحرير السودان في 9 يناير 2005.

ونص البروتوكول على منح أبيي وضعاً إدارياً خاصاً خلال الفترة الانتقالية، كما وضع إطاراً لإجراء استفتاء منفصل يتيح لسكان المنطقة الاختيار بين الاحتفاظ بوضعها الإداري الخاص في الشمال أو الانضمام إلى بحر الغزال.

كما تناول البروتوكول مسألة تحديد حدود المنطقة، وترتيبات الإدارة والأمن، وحقوق السكان، بما في ذلك أعضاء مجتمع دينكا نقوك وغيرهم من السودانيين المقيمين في المنطقة وفق المعايير التي كان يفترض أن تحددها مفوضية الاستفتاء.

غير أن الخلافات حول ترسيم الحدود وتحديد من يحق لهم المشاركة في الاستفتاء أدت إلى تعثر تنفيذ عدد من بنود البروتوكول، وبقيت قضية أبيي دون تسوية نهائية.

وهنا تبرز ضرورة التمسك بالاتفاقيات والمرجعيات المعتمدة، والعمل على تنفيذها بروح المسؤولية، بدلاً من ترك القضية رهينة للمواقف السياسية المتغيرة.

اتفاقية يونيو 2008.. محاولة لاحتواء الأزمة

بعد المواجهات المسلحة التي شهدتها أبيي في مايو 2008، وقّع طرفا النزاع اتفاق خارطة الطريق بشأن أبيي في يونيو من العام نفسه، بهدف معالجة الأوضاع الأمنية والإدارية، وتنظيم عودة النازحين، وإعادة ترتيب الوجود العسكري، وتشكيل إدارة مؤقتة للمنطقة.

كما تضمنت الجهود اللاحقة اللجوء إلى التحكيم الدولي لمعالجة الخلاف حول حدود أبيي.

مثّلت هذه الخطوات محاولة لإعادة الاستقرار إلى المنطقة، لكنها لم تنجح في إنهاء الخلاف حول وضع أبيي النهائي، الأمر الذي أبقى القضية مفتوحة أمام تحديات سياسية وأمنية متواصلة.

 

في 20 يونيو 2011، توصل السودان والحركة الشعبية إلى اتفاق بشأن الترتيبات الإدارية والأمنية المؤقتة لمنطقة أبيي، في إطار الجهود الرامية إلى تجنب تجدد المواجهات المسلحة.

وتضمنت الاتفاقية ترتيبات للإدارة المؤقتة، وتشكيل آليات إشراف مشتركة، وسحب القوات العسكرية من المنطقة، إلى جانب ترتيبات أمنية دولية.

وعلى أساس الاتفاق، أنشأ مجلس الأمن الدولي قوة الأمم المتحدة الأمنية المؤقتة لأبيي، المعروفة باسم «يونيسفا»، لدعم الأمن ومراقبة الترتيبات المتفق عليها وحماية المدنيين وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية.

لكن الاتفاقية، رغم أهميتها، لم تحسم الوضع النهائي لأبيي، إذ استمرت الترتيبات المؤقتة في انتظار تسوية سياسية متفق عليها بين السودان وجنوب السودان.

إنصاف دينكا أبيي في الوظائف العليا.. حق لا يحتمل التأجيل

إن استقرار أبيي لا يتحقق بالاتفاقيات السياسية وحدها، بل يحتاج أيضاً إلى معالجة قضايا الحقوق والمشاركة والتمثيل العادل في مؤسسات الدولة السودانية.

وفي هذا الإطار، تبرز ضرورة إنصاف أبناء دينكا أبيي في الوظائف العليا بالدولة، وإتاحة الفرص أمام الكفاءات منهم لتولي المناصب القيادية والإدارية، وفقاً للمؤهلات والكفاءة والاستحقاق، بعيداً عن التهميش والإقصاء.

فأبناء أبيي جزء من النسيج السوداني، ومن حقهم أن تكون لهم فرص عادلة في الخدمة المدنية والمؤسسات القومية، وأن يشعروا بأن الدولة تمثلهم وتحفظ حقوقهم، بصرف النظر عن التعقيدات السياسية المتعلقة بالوضع النهائي للمنطقة.

إن العدالة في التوظيف والتمثيل ليست منحة من أحد، وإنما مبدأ أساسي لتعزيز المواطنة المتساوية، وترسيخ الثقة بين المواطنين ومؤسسات الدولة.

كما أن تمكين الكفاءات من أبناء أبيي من المشاركة في صناعة القرار من شأنه أن يعزز ارتباطهم بمؤسسات الدولة، ويدعم جهود السلام والاستقرار، ويفتح المجال أمام حلول أكثر واقعية واستدامة.

 

من القضايا المهمة التي تستدعي اهتمام الجهات المختصة تسهيل استخراج الرقم الوطني لأبناء أبيي، وإزالة العقبات الإدارية التي قد تواجه المواطنين في الحصول على وثائقهم الثبوتية.

وعليه، نطالب الجهات المعنية بالسجل المدني باتخاذ إجراءات عملية تتيح لأبناء أبيي استخراج الرقم الوطني من مراكز السجل المدني المختلفة داخل السودان، وفقاً للقوانين والضوابط المنظمة، دون اشتراط السفر إلى المنطقة أو تحمل أعباء مالية وإدارية إضافية يمكن تجنبها.

كما نطالب بتسهيل إجراءات إثبات الهوية والتحقق من المستندات، وتوفير المعالجات الإدارية المناسبة للحالات التي تأثرت بالنزوح أو فقدان الوثائق بسبب الظروف الأمنية.

فالرقم الوطني ليس مجرد وثيقة، بل هو مدخل أساسي للحصول على الخدمات والحقوق المدنية، وإثبات الهوية، واستكمال المعاملات الرسمية.

ولا يجوز أن يتحول تعقيد الوضع السياسي في أبيي إلى سبب إضافي لمعاناة المواطنين أو حرمانهم من حقوقهم القانونية.

إن معالجة هذه القضية تمثل خطوة عملية نحو تعزيز المواطنة، وتأكيد أن أبناء أبيي مواطنون لهم حقوقهم الكاملة في الدولة السودانية، مع مراعاة القوانين والمرجعيات المنظمة لوضع المنطقة.

 

 

أن تعيين اللواء الركن الخير أبو مريدات رئيساً للجنة الإشرافية من الجانب السوداني يأتي في مرحلة تحتاج فيها أبيي إلى قيادة تعمل على تقريب وجهات النظر، وتعزيز التنسيق بين الأطراف المعنية، والدفع نحو معالجة الملفات العالقة.

ونأمل أن يضع رئيس الإشرافية الجديد عدداً من الأولويات في مقدمتها:

تحريك ملف الحل النهائي لأبيي عبر الحوار بين الخرطوم وجوبا، والالتزام بالاتفاقيات والمرجعيات المعتمدة.

تعزيز الأمن والاستقرار وحماية المدنيين، ودعم التعايش السلمي بين مكونات المنطقة.

إنصاف أبناء دينكا أبيي في الوظائف العليا ومؤسسات الدولة، وفقاً لمعايير الكفاءة والاستحقاق.

تسهيل استخراج الرقم الوطني من مراكز السجل المدني المختلفة، بالتنسيق مع الجهات المختصة.

دعم الخدمات والتنمية في المنطقة، بما يشمل التعليم والصحة والمياه والبنية التحتية.

تعزيز العلاقات الاجتماعية بين دينكا نقوك والمسيرية، والعمل على معالجة الخلافات عبر الحوار الأهلي والمصالح المشتركة.

تفعيل الآليات المشتركة بين السودان وجنوب السودان بما يساعد على تنفيذ الاتفاقيات المؤقتة وتهيئة الظروف لتسوية دائمة.

إن نجاح رئيس الإشرافية لا يقاس بالمنصب وحده، وإنما بما يحققه من تقدم ملموس في هذه الملفات، وبقدرته على تحويل المسؤولية الإدارية إلى عمل يخدم المواطنين ويحفظ حقوقهم.

أبيي تحتاج إلى إرادة سياسية تتجاوز الخلافات

لقد أثبتت السنوات الماضية أن استمرار النزاع حول أبيي لا يخدم السودان ولا جنوب السودان، ولا يحقق مصالح المجتمعات المحلية التي دفعت ثمناً باهظاً من أمنها واستقرارها وفرص تنميتها.

كما أن تأجيل الحل النهائي يترك الباب مفتوحاً أمام التوترات، ويعطل جهود التنمية، ويزيد من معاناة المواطنين الذين يحتاجون إلى الأمن والخدمات وفرص العمل والتعليم.

لذلك، فإن المطلوب اليوم هو إرادة سياسية جادة من حكومتي السودان وجنوب السودان، تضعان مصالح السكان فوق الحسابات الضيقة، وتلتزمان بالاتفاقيات الموقعة، وتعملان على الوصول إلى تسوية عادلة تحظى بالقبول وتضمن الحقوق.

ويجب ألا يكون التقارب بين البلدين مجرد لقاءات وتصريحات، بل ينبغي أن ينعكس في خطوات عملية لمعالجة ملف أبيي، وتفعيل الآليات المشتركة، وتجنب الإجراءات الأحادية التي قد تزيد من تعقيد النزاع.

الخاتمة: أبيي تستحق السلام والعدالة

نبارك للواء الركن الخير عبد الله إدريس أبو مريدات نيله ثقة القيادة وتعيينه رئيساً للإشرافية من الجانب السوداني، ونتمنى له النجاح في أداء هذه المهمة الوطنية.

 

أبيي لا تحتاج إلى مزيد من الوعود، بل إلى قرارات شجاعة تنصف أهلها، وتحفظ تاريخها، وتصون كرامة مواطنيها. فالسلام الحقيقي يبدأ بالاعتراف بالحقوق، ويترسخ بالعدالة، ويكتمل بحل سياسي دائم يضع حداً لمعاناة المنطقة وأهلها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى