🟥 ساميه كبسون تكتب: الجمعية التعاونية والحوار الوطني.. طريق السودان نحو بر الأمان
كبسون نيوز: حيث الخبر

في ظل الظروف الاستثنائية التي يمر بها السودان، وما خلّفته الحرب من أزمات اقتصادية واجتماعية وإنسانية، تبرز أهمية المبادرات الوطنية التي تسعى إلى جمع الصفوف، وتعزيز روح التكافل، وإعادة بناء الثقة بين أبناء الوطن الواحد. ومن بين هذه المبادرات، تأتي الجمعية التعاونية والحوار بوصفهما ركيزتين أساسيتين يمكن أن تسهما في إخراج السودان من أزماته، وقيادته نحو بر الأمان والاستقرار.
إن الإشادة بالجمعية التعاونية ليست مجرد كلمات ثناء، وإنما هي اعتراف بدور العمل الجماعي في مواجهة التحديات، وإيمان بأن الشعوب لا تنهض بالانتظار، بل بالتخطيط والمشاركة وتوحيد الجهود. فالتعاون قيمة أصيلة في المجتمع السوداني، عُرف بها أهل السودان في الأفراح والأتراح، وفي الزراعة والرعي والتجارة، وفي مساعدة المحتاج والوقوف إلى جانب الضعيف.
واليوم، أصبح إحياء هذه القيمة ضرورة وطنية، لا سيما في ظل تراجع مصادر الدخل، وارتفاع تكاليف المعيشة، وتزايد احتياجات الأسر، وتعطل كثير من المؤسسات والخدمات بسبب الحرب. وهنا يأتي دور الجمعيات التعاونية في تنظيم جهود المواطنين، وتوفير السلع الأساسية بأسعار مناسبة، ودعم صغار المنتجين والمزارعين، وتشجيع المشروعات الإنتاجية، وخلق فرص العمل، بما يعزز قدرة المجتمع على الصمود ويخفف الأعباء عن كاهل المواطنين.
الجمعية التعاونية ليست مجرد مؤسسة لتوفير الاحتياجات، بل مدرسة لترسيخ ثقافة المشاركة والمسؤولية والاعتماد على الذات. فحين يجتمع المواطنون حول هدف مشترك، ويضعون خططاً واضحة لإدارة مواردهم، فإنهم يؤسسون لنموذج عملي في البناء والتنمية، ويؤكدون أن الخروج من الأزمات يبدأ من المجتمع نفسه، بالتكامل مع جهود الدولة ومؤسساتها.
وإذا كان التعاون يمثل وسيلة عملية لتخفيف الأعباء وتحريك عجلة الإنتاج، فإن الحوار يمثل الطريق الذي يمكن من خلاله معالجة الخلافات، وتقريب وجهات النظر، والاتفاق على مشروع وطني جامع.
لقد دفع السودان ثمناً باهظاً للصراعات والانقسامات، وأثبتت التجارب أن استمرار الخلافات لا ينتج إلا مزيداً من المعاناة، وأن الوطن لا يمكن أن يستعيد عافيته في ظل التنازع وغياب الثقةوقد جمع المؤتمربينالتعاونوالحوار . لذلك، فإن الحاجة إلى الحوار اليوم ليست ترفاً سياسياً أو مناسبة عابرة، بل ضرورة وطنية تفرضها مسؤولية الحفاظ على البلاد ووحدة شعبها ومستقبل أجيالها.
والحوار الذي يحتاجه السودان هو حوار جاد ومسؤول، لا يقوم على الإقصاء أو فرض الرأي، وإنما على الاستماع إلى الآخر، والاعتراف بالتنوع، واحترام الاختلاف، والبحث عن القواسم المشتركة التي تجمع السودانيين. حوار يضع مصلحة الوطن فوق المصالح الحزبية والشخصية، ويمنح الشباب والمرأة والإدارات الأهلية ومنظمات المجتمع المدني والقوى المجتمعية فرصة حقيقية للمشاركة في صياغة المستقبل.
كما ينبغي أن يتجاوز الحوار حدود الشعارات إلى حلول عملية تتناول إيقاف الحرب، وحماية المدنيين، وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية، وإعادة الخدمات الأساسية، ومعالجة جذور النزاعات، وإرساء دعائم السلام العادل، وبناء دولة المؤسسات والقانون.
إن الجمع بين العمل التعاوني والحوار الوطني يفتح أمام السودان آفاقاً واسعة للتعافي. فالتعاون يعيد تنظيم المجتمع اقتصادياً واجتماعياً، بينما يهيئ الحوار البيئة اللازمة للتوافق والاستقرار. ولا يمكن أن تنجح جهود التنمية في بيئة يسودها النزاع، كما لا يمكن أن يصبح السلام مستداماً من دون معالجة الأزمات المعيشية وتوفير فرص الحياة الكريمة للمواطنين.
ومن هنا، فإن المطلوب هو دعم الجمعيات التعاونية وتطوير قدراتها الإدارية والمالية، وتعزيز الشفافية والمحاسبة في عملها، وربطها بمشروعات الإنتاج الزراعي والحيواني والصناعي، والاستفادة من طاقات الشباب والنساء في المبادرات الاقتصادية والمجتمعية.
وفي الوقت نفسه، يجب توسيع مساحات الحوار على المستويات المحلية والولائية والقومية، حتى يشعر المواطن بأن صوته مسموع، وأن مشاركته مؤثرة، وأن مستقبل البلاد ليس حكراً على فئة دون أخرى.
كما أن المجتمعات المحلية، بما تمتلكه من خبرات وتقاليد راسخة في التكافل وحل النزاعات، قادرة على الإسهام في رتق النسيج الاجتماعي، وتعزيز المصالحات، وتهيئة المناخ لاستعادة الاستقرار، شريطة أن تجد الدعم والاعتراف بدورها الوطني.
السودان يستحق أن نعمل من أجله
إن الإشادة بالجمعية التعاونية والحوار هي إشادة بكل جهد صادق يسعى إلى إنقاذ السودان من أزماته، وبكل مبادرة تضع الإنسان في مقدمة أولوياتها، وتؤمن بأن بناء الوطن مسؤولية مشتركة لا تقع على عاتق الحكومة وحدها، بل يشارك فيها المواطن والمجتمع المدني والقطاع الخاص والقيادات المجتمعية.
لقد آن الأوان لأن ننتقل من مرحلة التشخيص إلى مرحلة الحلول، ومن تبادل الاتهامات إلى تحمل المسؤوليات، ومن انتظار المبادرات إلى صناعة المبادرات. فالسودان لا يحتاج إلى مزيد من الانقسامات، وإنما يحتاج إلى عقول تتوافق، وأيدٍ تعمل، وقلوب تؤمن بأن هذا الوطن أكبر من خلافات أبنائه.
إن بر الأمان لن يتحقق بالأمنيات وحدها، بل بالتعاون الذي يوفر مقومات الحياة، والحوار الذي يفتح أبواب التوافق، والعمل الوطني الذي يجعل مصلحة السودان فوق كل اعتبار.
فلنمنح الجمعيات التعاونية فرصتها لتكون أدوات للإنتاج والتكافل، ولنمنح الحوار فرصته ليكون جسراً نحو السلام والاستقرار. ولنتذكر جميعاً أن الأوطان لا تُبنى بالكلمات وحدها، وإنما تتحول الكلمات إلى قوة حين تسندها الإرادة الصادقة والعمل المسؤول.
السودان وطن يسع الجميع، وإنقاذه مسؤولية الجميع، وطريقه إلى بر الأمان يبدأ بالتعاون، ويترسخ بالحوار، ويكتمل بالسلام والإنتاج والعدالة.