مقالات وكتاب

🟥 شميلة يكتب ✒️ أبيي.. قضية لم تمت، واتفاقيات لم تُنفَّذ

كبسون نيوز: حيث الخبر

لم تكن أبيي يوماً مجرد مساحة جغرافية معلّقة بين دولتين، ولا مجرد منطقة ارتبط اسمها بالنفط والحدود والسياسة. أبيي قضية تاريخ، وحقوق، ومجتمعات عاشت وتداخلت مصالحها قبل أن ترسم السياسة حدودها وقبل أن تتحول المنطقة إلى واحدة من أعقد ملفات السودان وجنوب السودان.

ومن يقرأ مسار قضية أبيي منذ العهد الاستعماري، مروراً باتفاقية أديس أبابا، ثم اتفاقية السلام الشامل وبروتوكول أبيي، وصولاً إلى اتفاق 20 يونيو 2011، يدرك أن المشكلة لم تكن دائماً في غياب الاتفاقيات، وإنما في ضعف الإرادة السياسية لتنفيذ ما تم الاتفاق عليه.

 

بروتوكول أبيي في اتفاقية السلام الشامل لم ينظر إلى المنطقة باعتبارها جداراً يفصل بين شعبين، بل وصفها بأنها جسر بين الشمال والجنوب يربط شعوب السودان.

كما حدد البروتوكول أبيي باعتبارها مشيخات دينكا نقوك التي جرى نقلها إدارياً إلى كردفان عام 1905، وفي الوقت نفسه أكد حقوق المسيرية وغيرهم من الرحل في الرعي والحركة التقليدية داخل المنطقة. وهذه النقطة تحديداً لا يجوز تجاوزها عند الحديث عن مستقبل أبيي، لأن القضية لا تتعلق بطرف واحد، وإنما بحقوق ومصالح متشابكة رسختها الاتفاقيات نفسها.

وهنا يجب أن يكون السؤال واضحاًإذا كانت الاتفاقيات قد اعترفت بحقوق الرعي والحركة للمسيرية، فلماذا ظلت هذه الحقوق رهينة الصراع السياسي؟

 

لم تتوقف قضية أبيي عند التفاوض السياسي، بل انتقلت إلى مسارات قانونية وتحكيمية.

فقد تشكلت لجنة حدود أبيي، وقدمت تقريرها، قبل أن يرفضه الجانب الحكومي آنذاك، لتنتقل القضية لاحقاً إلى محكمة التحكيم الدائمة في لاهاي، التي أصدرت قرارها في 22 يوليو 2009 بشأن حدود المنطقة.

وبذلك أصبحت أبيي واحدة من القضايا التي لا يمكن التعامل معها بمنطق الأمر الواقع أو فرض السيطرة بالقوة، لأن ملفها مر بمراحل تفاوضية وقانونية موثقة.

 

ثم جاءت اتفاقية 20 يونيو 2011 الخاصة بالترتيبات الإدارية والأمنية المؤقتة في أبيي، لتفتح نافذة جديدة نحو الحل.

نص الاتفاق على إعادة انتشار القوات، ونزع الطابع العسكري عن المنطقة باستثناء قوات الأمم المتحدة المؤقتة لأبيي «يونيسفا»، وإنشاء ترتيبات إدارية وأمنية تساعد على استقرار المنطقة، إلى جانب آليات للرقابة والإشراف.

لكن الاتفاق، رغم أهميته، لم يتحول إلى حل نهائي.وهنا تكمن المأساة.كلما اقتربت أبيي من باب الحل، أعادتها السياسة إلى مربع الأزمة.والوثيقة تشير إلى أن ترتيبات الاتفاق لم تكتمل، وأن مؤسسات الإدارة لم تُشكَّل بالصورة المطلوبة، كما أن الخلافات حول التنفيذ حالت دون الوصول إلى تسوية مستقرة.

 

من الأخطاء الكبرى اختزال أبيي في النفط.صحيح أن النفط كان جزءاً أساسياً من الحسابات الاقتصادية والسياسية، وقد نصت الترتيبات على توزيع عائداته بنسب محددة، شملت الحكومة القومية وحكومة جنوب السودان وولايات ومجتمعات محلية، ومن بينها نسبة 2% للمسيرية ونسبة 2% محلياً لدينكا نقوك.

لكن أبيي أكبر من برميل النفط.فهي قضية إنسان، وأرض، ورعي، وحركة، وأمن، وحقوق تاريخية، وعلاقات اجتماعية ظلت قائمة رغم كل سنوات الحرب والصراع.

أين ذهبت حقوق التنمية؟

من الملفات التي تحتاج إلى وقفة جادة ملف نسبة الـ2% المخصصة للمسيرية من عائدات النفط.

فالوثيقة توضح الأساس القانوني لهذه النسبة، وتعرض مسار إنشاء صناديق التنمية والتغييرات الإدارية التي طرأت عليها، وصولاً إلى ما يتعلق بتحويلها إلى صندوق تنمية أبيي..

 

أين ذهبت حقوق التنمية؟ وأين نصيب المجتمعات التي ظلت تدفع ثمن الحرب وعدم الاستقرار؟

فالتنمية ليست منحة، والحقوق التي نصت عليها الاتفاقيات لا ينبغي أن تتحول إلى وعود مؤجلة إلى أجل غير مسمى.

يونيسفا.. الأمن المؤقت لا يصنع السلام الدائموجود بعثة الأمم المتحدة المؤقتة لأبيي «يونيسفا» جاء في سياق أمني محدد، من بينها مراقبة نزع السلاح، ودعم الاستقرار، والمساعدة في حماية المدنيين، والمساهمة في تهيئة الظروف الإنسانية والأمنية المناسبة.

لكن أي بعثة أممية، مهما طال بقاؤها، لا تستطيع أن تكون بديلاً عن الإرادة السياسية.

يونيسفا تستطيع أن تحرس الهدوء، لكنها لا تستطيع أن تصنع اتفاقاً سياسياً بديلاً عن الأطراف.

ولهذا فإن استمرار الأزمة ليس حلاً، وتمديد الوضع المؤقت لا ينبغي أن يصبح بديلاً عن الحل النهائي.

كفى إدارة للأزمة.. نريد إدارة للحل لقد استنزفت أبيي سنوات طويلة من الانتظار.

انتظرت تنفيذ الاتفاقيات، وانتظرت استكمال الترتيبات الإدارية والأمنية، وانتظرت معالجة ملف الحدود، وانتظرت أن تتحول عائدات النفط والتنمية إلى واقع يلمسه المواطن.والنتيجة أن القضية ما زالت مفتوحة.لذلك فإن المطلوب اليوم ليس إنتاج اتفاق جديد يضاف إلى أرشيف الاتفاقيات السابقة، بل إرادة حقيقية لتنفيذ ما تم الاتفاق عليه.

المطلوب إعادة ملف أبيي إلى طاولة التفاوض الجاد، وتفعيل الآليات المشتركة، وحماية حقوق السكان، وضمان حركة الرعاة ومراعيهم، ومعالجة ملف التنمية والعائدات، وتوفير الأمن، والعمل على إنهاء حالة الفراغ السياسي والإداري التي ظلت تمدد الأزمة.

أبيي ليست غنيمة سياسية.. أبيي لا ينبغي أن تكون ورقة تستخدمها الحكومات متى احتاجت إلى التصعيد، ولا ملفاً مؤجلاً حتى تتغير موازين القوى.

أبيي أكبر من الحكومات العابرة، وأبقى من الاتفاقيات التي لم تجد طريقها إلى التنفيذ.

إنها أرض يسكنها بشر، ومجتمعات لها حقوق ومصالح، ومنطقة يمكن أن تكون بالفعل جسراً للتعايش بين الشمال والجنوب، كما نصت روح الاتفاقية، بدلاً من أن تتحول إلى بؤرة دائمة للتوتر.

كلمة أخيرة

يا أهل أبيي..

لقد طال الانتظار، وكثرت الاتفاقيات، وتعددت اللجان، وتبدلت الحكومات، لكن السؤال ظل واحداً:

متى تنتهي قضية أبيي؟

والإجابة لن تكون بمزيد من البيانات، ولا بالتصريحات السياسية، ولا بتبادل الاتهامات.

الإجابة تبدأ عندما تصبح الاتفاقيات التزاماً، والحقوق واقعاً، والتنمية حقاً، والأمن مسؤولية، والحوار طريقاً لا خياراً ثانوياً.

أبيي لا تحتاج إلى حرب جديدة.

أبيي تحتاج إلى سلام عادل، وإرادة سياسية صادقة، وحل نهائي يحفظ الحقوق ويعيد للمنطقة دورها كجسر بين أهل السودان، لا كساحة صراع بينهم.

فالقضايا التي تُترك بلا حل لا تموت…

وإنما تنتظر جيلاً جديداً ليعيد فتحها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى