🟥 الباحث والمفكر الاستاذ جمعة عبد الكريم يكتب: الإدارة الأهلية في السودان.. جذورها التاريخية ودورها في مجتمع المسيرية
إعداد وتوثيق: الاستاذ جمعة عبد الكريم جبريل

السيرة المختصرة: ولد الاستاذجمعة عبد الكريم جبريل بمدينة المجلد بولاية غرب كردفان عام 1958. حاصل على درجة الماجستير في العلوم السياسية، ودرجة الماجستير في القانون الدولي من جامعة كراتشي بجمهورية باكستان الإسلامية. يعمل باحثًا في العلوم السياسية والقانون الدولي والعرف، وخبيرًا استراتيجيًا بمركز دراسات السلام بجامعة السلام بولاية غرب كردفان، كما يُعد مترجمًا متخصصًا في الترجمة الفورية.
الإدارة الأهلية.. مؤسسة راسخة في المجتمع السوداني تُعد الإدارة الأهلية من أعرق المؤسسات الاجتماعية في السودان، إذ اضطلعت عبر تاريخها بدور محوري في تنظيم حياة المجتمعات المحلية، وحفظ الأمن، وفض النزاعات، وإدارة الموارد، وترسيخ قيم التعايش والتسامح بين القبائل. وقد شهدت هذه المؤسسة مراحل متعددة من التطور، بدأت في فترة الحكم الثنائي، واستمرت بعد الاستقلال وحتى الوقت الراهن.
نشأة نظام الإدارة الأهلية: اعتمدت الإدارة البريطانية في السودان نظام الإدارة الأهلية لإدارة المناطق الريفية، مستفيدة من تجاربها الإدارية في عدد من المستعمرات، وذلك من خلال قوانين ولوائح حددت اختصاصات النظار والعمد والمشايخ. واختلفت المسميات القيادية باختلاف الأقاليم والثقافات المحلية، فبرزت ألقاب مثل: الناظر، والسلطان، والمك، والشرتاي، والعمدة، وشيخ الخط وناظر خط.
تجربة الإدارة الأهلية في ديار المسيرية
تُعد تجربة الإدارة الأهلية في ديار المسيرية من أبرز التجارب في السودان، وتشير الروايات التاريخية والذاكرة المحلية إلى أن مؤتمر البردية عام 1942 شكّل محطة مفصلية في إعادة تنظيم الإدارة الأهلية، حيث وُضعت أسس واضحة لتوزيع الاختصاصات وتحديد مناطق النفوذ الإداري، مع مراعاة خصوصية كل منطقة ومستوياتها الإدارية.
وبموجب هذا التنظيم جاء توزيع النظارات على النحو الآتي:
الناظر بابو نمر علي الجلة ناظر عموم المسيرية، وعاصمة النظارة المجلد، ومنح لقب “سير”.
الناظر علي نمر علي الجلة ناظر عموم العجايرة، وعاصمتها المجلد.
الناظر الحاج أجبر ناظر عموم الفلايتة، وعاصمتها الفولة، ثم آلت النظارة في خمسينيات القرن الماضي إلى ابنه الناظر سرير الحاج أجبر.
الناظر عز الدين حميدة خميس ناظر عموم المسيرية الزرق، وعاصمتها لقاوة.
الناظر دينج كوال روب (دينج مجوك) ناظر عموم مشيخات دينكا نقوك التسعة، وعاصمتها أبيي.
وعلى مستوى العموديات، تم توزيع الإدارة المحلية بصورة دقيقة، حيث ضمت:
ست عمد للعجايرة.
سبع عمد للمسيرية الزرق.
خمس عمد للفلايتة.
وقد أسهم هذا التنظيم في تسهيل إدارة الشؤون المحلية وتعزيز الاستقرار الاجتماعي.
أسس اختيار القيادات الأهلية
استند نظام الإدارة الأهلية إلى لوائح تنظم اختيار القيادات، واعتمد على معايير أبرزها الكفاءة، والقبول المجتمعي، والقدرة على القيادة. كما حظي التعليم بأهمية خاصة، قبل أن تُضاف لاحقًا اشتراطات قانونية تتعلق بالمؤهل العلمي لتولي المناصب الأهلية.
التحولات السياسية للإدارة الأهلية
شهدت الإدارة الأهلية عدة تحولات خلال الحقب السياسية المختلفة:
في عهد الرئيس الأسبق جعفر نميري، أُلغيت الإدارة الأهلية رسميًا ضمن سياسات الحكم المحلي.
وفي عهد الإنقاذ، أُعيد تفعيلها بصورة واسعة، مع زيادة كبيرة في عدد النظار والأمراء.
وفي مرحلة لاحقة، أُعيد تنظيم الإدارة الأهلية وفق النظام التقليدي، فعادت نظارات عموم الفلايتة والعجايرة والمسيرية الزرق.
الإدارة الأهلية والحرب الأخيرة
تأثرت الإدارة الأهلية بالأحداث التي صاحبت الحرب الأخيرة، وتباينت مواقف بعض القيادات الأهلية بين أطراف الصراع، بينما تمسك آخرون بخيارات مختلفة. ويظل توثيق هذه المواقف بالوثائق والأدلة التاريخية أمرًا مهمًا لفهم تلك المرحلة وتقييمها بصورة موضوعية.
ومع عودة المواطنين واستقرار الأوضاع، تبرز الحاجة إلى إعادة بناء الإدارة الأهلية على أسس قانونية ومؤسسية، تقوم على الكفاءة، والتعليم، والقبول المجتمعي، بما يعيد للمؤسسة دورها التاريخي في خدمة المجتمع.
خاتمة
لقد أثبتت التجربة السودانية أن الإدارة الأهلية تمثل إحدى أهم ركائز حفظ الأمن الأهلي، وفض النزاعات، وإجراء المصالحات، وترميم النسيج الاجتماعي. ولا يزال الناظر والعمدة والشيخ يحظون بمكانة راسخة لدى المجتمعات المحلية، الأمر الذي يجعل تطوير هذه المؤسسة، مع الحفاظ على إرثها التاريخي والالتزام بالقانون، ضرورة أساسية لدعم الاستقرار والتنمية في السودان.