مقالات وكتاب

🟥 د/هاله خلف الله كرم الله تكتب ✒️*الإرادة: بوصلة التوافق وسبيل الانسجام* .

كبسون نيوز: حيث الخبر

عندما يصبح الخلاف هو القاعدة

لم يعد الخلاف ترفًا فكريًا نتحاوره على هامش الحياة. لقد انتقل إلى صميم الأسرة حيث تتقاطع المصالح، وإلى المؤسسة حيث تتصادم الرؤى، وإلى الوطن حيث تتعدد الهويات. في كل يوم نسمع عن خلاف يبدأ صغيرًا ثم يكبر، وعن اتفاق يولد هشًا ثم يموت.

وفي خضم هذا كله يعود السؤال الأقدم إلى الواجهة: بأي شيء نحفظ وحدتنا ونصون مستقبلنا؟

ليست الإجابة في أن نصبح نسخة واحدة. فالله لم يخلقنا كذلك. وليست في أن يسكت أحدنا الآخر. فذلك وهم الاستقرار.

الإجابة في قرار واحد، بسيط في لفظه، عميق في أثره: *الإرادة*.

الإرادة هي البوصلة التي توجه الاختلاف نحو التكامل. وهي السبيل الذي يحول التباعد إلى تقارب، والفوضى إلى نظام. بها ننتقل من “توافق اضطراري” ينهار عند أول أزمة، إلى “انسجام راسخ” يصمد أمام الرياح.

لا تنسجم أمة وأفرادها عاجزون عن إدارة ذواتهم. وقبل أن نطالب الآخرين بالتفاهم، علينا أن نبدأ من الداخل. وهنا تقف الإرادة الفردية على ثلاثة أركان:-

كثير من معاركنا لا سبب لها إلا سوء الظن الذي تحول إلى سوء فهم. في بيوتنا نرد قبل أن نكمل الجملة، وفي اجتماعاتنا نقاطع لنثبت وجهة نظرنا.

صاحب الإرادة يمنح نفسه ثانية صمت قبل الرد. يسأل: “ما الذي يقصده حقًا؟” ومن يمتلك نية الفهم، يكون قد امتلك نصف الحل قبل أن تبدأ المشكلة

* قدّم “نحن” على “أنا

الإيثار ليس ضعفًا ولا تنازلًا عن الحق. هو وعي ناضج بأن بقاء السفينة أهم من مقعدي فيها.

في الأسرة هو أن تؤجل رأيك لتمر عاصفة. وفي المؤسسة أن تتنازل عن مشروعك لينجح مشروع الفريق. وفي الوطن أن تضع المصلحة العامة فوق مكاسبك الشخصية.

أخطر ما يهدد التوافق أنه يُعلن مرة واحدة ثم يُنسى. التوافق الحقي يحتاج إلى صيانة يومية. كلمة طيبة، اعتذار في وقته، مراجعة للاتفاق. إنه مثابرة على ما اتفقنا عليه، لا حماسة لحظة.

*ثانياً: كيف تدير الإرادة ساحة الاختلاف؟*

الاختلاف ليس عيبًا. هو سنة الله في الخلق. المشكلة دائمًا في غياب الأدوات التي تديره. وهنا تظهر الإرادة كمهندس:

اسأل أي وسيط ناجح عن أول خطوة يفعلها، سيقول لك: يغير السؤال من (من المخطئ) إلى ما (الحل )

صاحب الإرادة يعرف أن الكلمة سلاح ذو حدين. إما أن تبني جسرًا تعبر عليه الأفكار، أو تحفر خندقًا يسقط فيه الجميع. لذلك يختار كلماته كما يختار الطبيب دواءه.

من السهل أن نركز على ما يفرقنا. الصعب أن نبحث عما يجمعنا.

بعد الحرب الأهلية في رواندا عام 1994، وقف الهوتو والتوتسي أمام خيارين: الثأر أو البناء. اختاروا “المحاكم الجماعية _ الغاتشا” وإرادة العيش المشترك. لم يمحوا الماضي، لكنهم قرروا أن المستقبل أهم من الجرح. اليوم رواندا من أسرع الاقتصادات نموًا في أفريقيا. لم يوحدّهم التشابه، وحدتهم الإرادة.

حين تتضح الغاية، تصغر الوسائل.

في الأسرة: أبناؤنا. في المؤسسة: نجاح المشروع. في الوطن: الكرامة والازدهار.

ما إن تذكر الهدف الأسمى حتى يخجل الخلاف الجزئي من نفسه ويتراجع.

التوافق سهل. يمكن أن نجتمع ونوقع ونتصافح. لكن الانسجام أصعب. هو أن يتحول ذلك الاتفاق إلى سلوك نعيشه كل صباح. وهذا يحتاج إلى ثلاث إرادات متلازمة:-

إرادة التسامح بعد الزلل: لأن لا أحد معصوم. والعلاقات لا تموت من خطأ واحد، بل من تراكم الإصرار على الخطأ.

إرادة الاحترام رغم التباين:

أن أختلف معك ولا ألغيك. أنتقد فكرك ولا أطعن في شخصك. إرادة العمل المشترك كأوركسترا. الكمان غير الطبلة، والمايسترو غير العازف. لكنهم بإرادة واحدة يخرجون لحنًا واحدًا.

رابعاً: الثمن الذي ندفعه عند غياب الإرادة

بحسب دراسة لمعهد “غالوب” عن بيئة العمل، فإن 70% من أسباب فشل المشاريع المؤسية لا تعود لنقص التمويل أو الخبرة، بل لغياب التعاون والثقة بين الفرق. أي أن المشكلة ليست في الموارد، بل في الإرادة.

وانزع الإرادة من أي بناء فينهار فورًا:

– أسرة بلا تفاهم: تتحول إلى غرف منفصلة تحت سقف واحد. الأبناء يدفعون الثمن.

مؤسسة بلا تعاون: تتحول إلى جزر منعزلة. المشاريع تتعطل والموظفون يحترقون. أمة بلا وحدة:

تذوي حتى لو كانت تسبح على بحر من الموارد. لأن الموارد بلا إرادة تصبح نقمة لا نعمة.

غياب الإرادة لا يعني غياب المشكلات. المشكلات موجودة دائمًا. ما يغيب هو القدرة على حلها.

خاتمة:-

قرار لا يحتمل التأجيل

نحن اليوم لا نحتاج إلى خطب جديدة، ولا إلى نظريات معقدة. نحن نحتاج إلى قرار.

قرار فردي بالبدء من الذات.

قرار جماعي بإدارة الخلاف لا بهروبه.

قرار وطني بالعمل معًا رغم كل التباين.

لقد نهضت أمم من تحت الركام لأنها أرادت.

وتلاحمت شعوب بعد حروب لأنها عزمت.

وبنى أفراد أوطانًا من الصفر لأنهم صمموا.

*فبالإرادة نتوافق، وبالإرادة ننسجم، وبالإرادة نصنع مستقبلًا يليق بنا.*

د/هالة خلف الله كرم الله نائب رئيس تجمع الاراداة السودانية (سوا ) وعضو الهيئة الفدرالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى