🟥 *عين الكلمه* صلاح الريح يوسف يكتب: *التربية الوطنية: البذرة التي تُنبت وطناً*

في زمن تتصارع فيه الهويات وتتآكل فيه الانتماءات، تبقى التربية الوطنية هي خط الدفاع الأول عن كيان الدولة. فهي ليست شعاراً يُرفع في الطابور الصباحي، ولا نشيداً يُردد بلا روح، بل سلوك يومي يُغرس في القلب قبل العقل.
بعد الحرب التي مزقت نسيجنا الاجتماعي، اكتشفنا أن السلاح قد يحسم معركة، لكنه لا يبني وطناً. فالذي يبني الأوطان هم الشباب الذين تربوا على أن السودان أكبر من القبيلة، وأعمق من الجهة، وأقدس من المصالح الضيقة. فالحرب كشفت فراغاً مخيفاً في “المناعة الوطنية” عند بعض الأجيال. فصار لزاماً أن نعود للجذور: البيت، المدرسة، المسجد، الميدان.
والتربية الوطنية الحقيقية ليست تلقيناً. هي ممارسة يراها الابن في أبيه حين يحترم القانون، ولا يرمي الأوساخ في الشارع، ويتحدث عن كل أجزاء السودان كأنها بيته. وفي المدرسة يجب ألا تكون حصة “التربية الوطنية” حصة نوم، بل مشروع خدمة مجتمعية، زيارة لمتحف، حوار مع جندي من القوات المسلحة، أو تنظيف حي.
أما في الإعلام، فعلينا أن نكف عن صناعة “الترند” بالعنصرية والقبلية، ونصنع قدوات من الشباب الذين بنوا مدارس بالجهد الشعبي في الجزيرة، أو زرعوا قمحاً في الشمالية، أو حموا وطنهم في ساحل البحر الأحمر، وبنوا الخلاوي في كردفان ودارفور. والآن ساندوا قواتهم المسلحة، فكانوا أيقونة للتاريخ والأجيال.
أما في دور العبادة، المسجد والكنيسة، فلا بد أن يكون الخطاب داعياً لوحدة الصف، محرماً لدم السوداني على السوداني، مذكراً بأن “حب الأوطان من الإيمان”، وأن الوطن يُعلى ولا يُعلى عليه.
شباب السودان ليسوا “مشكلة ديموغرافية” كما يصفهم البعض، بل هم الحل. لكن الحل لا يأتي بالخطب. فالمبادرات الشبابية قادرة على صنع الفرق عبر تحويل طاقات الشباب للإنتاج وللبناء، وفي الدفاع والفداء، وكذلك تتبنى روابط الطلاب في الجامعات مشروع “اعرف وطنك”، فيزورون كل شهر ولاية، يوثقون عاداتها ومشاكلها وفرصها، ويربطون المجتمع مع بعضه.
والخدمة الوطنية يجب أن تعود بشكل جديد، لا عسكري فقط، بل مدني، يقضي فيه الخريج ستة شهور في محو الأمية، في الزراعة، في المستشفيات الريفية، فيعرف أن الوطن ليس الخرطوم فقط. ونحن أحوج ما نكون اليوم إلى إبراز القدوات التي تجمعنا، مثالاً لا حصراً: عبد الله الطيب، عثمان دقنة، محمد أحمد المحجوب، إسماعيل الأزهري، عبد الفضيل الماظ، وعبد الرحمن دبكة، والقائمة تطول… كرموز وحدة لا رموز صراع. فالتاريخ لا يُستخدم للثأر، بل للعبرة.
إن أخطر ما يواجه غرس الوطنية اليوم هو “الغرف المظلمة” التي تصنع خطاب الكراهية. مثلاً؛ حساب “مجهول الهوية” يكتب منشوراً يسب فيه قبيلة كاملة، فيرد عليه ألف “مجهول” آخر. والنتيجة جيل يظن أن السودان عبارة عن كنتونات متناحرة، ويتم التعامل معها باستعطاف جمعي جياش ينتشر كما النار في الهشيم. والحل في حملة وطنية رقمية يقودها الشباب أنفسهم تحت هاشتاق واحد يجمعهم: #سوداني_وبس. ننشر: #أحب_مكان_وطني_السودان. والترميز يجب أن يأخذ ثوب القومية: فيه قصة نجاح من دارفور، اختراع من كسلا، لوحة من الجزيرة، وسموق نخلة من الشمالية. نغرق منصات الكراهية بمحتوى الحب.
أما دور الدولة فهو أن تكون الراعي لا الواعظ. الحكومة لا تربي، لكنها تهيئ البيئة. وذلك يبدأ بمراجعة كتب التاريخ لتُبرز المشترك لا المختلف. فالمناهج يجب أن تراعي التباين الثقافي، والكل يجد نفسه في المحتوى الأكاديمي، وكذلك أخبار البطولات والفتوحات القديمة، وآخرها رمزية الجندي السوداني الذي يدافع عن الوطن ويقدم نفسه رخيصةً تضحيةً وفداءً من أجلنا. وكذلك على الإعلام الرسمي أن يتوقف عن كونه بوقاً للسلطة، ويتحول لمنصة للوطن، فتبدأ نشرة الأخبار بإنجاز مزارع في الجزيرة، وعامل في ميناء بورتسودان، وآخر يعلمنا طقِّ الصمغ في كردفان، وليس باجتماع وزير. وفوق ذلك كله، لا وطنية مع الظلم. فالشاب الذي يرى التوظيف بالواسطة، والخدمات بالمحسوبية، سيكفر بالوطن. العدل هو أسرع درس في التربية الوطنية.
وخلاصة القول: التربية الوطنية ليست منهجاً يُدرس، بل وطناً يُعاش. إذا شعر الشاب أن الوطن يحترمه، ويوفر له حلماً، سيدافع عنه بدمه قبل قلمه. والمجرم لا قبيلة له، لكن الوطن له كل القبائل. “الوطن شجرة، ونحن فروعها. إذا يبس فرع، تداعت له سائر الفروع بالسهر والحمى”.
وللأوطان في دم كل حر… يد سلفت ودين مستحق.
*وللمداد بقية*