🟥 مياه مشروع الجزيرة بين الهدر والعطش.. أين الخلل؟✒️ بقلم: جمال الخير ابوردف.
كبسون نيوز: حيث الخبر

في الوقت الذي ينتظر فيه مزارعو القسم الشمالي من مشروع الجزيرة وصول المياه إلى حقولهم، ويشكو كثير منهم من العطش وتأخر الري، تثير مشاهد تدفق كميات كبيرة من المياه عبر بعض المصارف التي تربط أجزاء من المشروع بالنيل الأزرق سؤالًا مشروعًا: هل تُدار مياه مشروع الجزيرة بالكفاءة المطلوبة، أم أن جزءًا من هذه المياه يذهب بعيدًا عن الحقول التي هي في أمسّ الحاجة إليها؟
القضية ليست مجرد مياه تتدفق في مصرف، وليست اتهامًا لجهة بعينها، وإنما هي قضية إدارة مورد استراتيجي ترتبط به حياة آلاف المزارعين ومستقبل واحد من أكبر المشاريع الزراعية في السودان.
مياه كثيرة.. وحقول عطشى
من أكثر المفارقات إيلامًا أن يرى المزارع المياه أمامه، بينما لا تصل إلى الحواشة التي ينتظرها منذ أيام.
فالمياه التي تصل إلى المشروع يفترض أن تمر عبر منظومة دقيقة من الترع والقنوات والمصارف، وفق برنامج ري يضمن وصول الكميات المناسبة وفي الوقت المناسب إلى المساحات الزراعية المستهدفة.
لكن عندما تزداد كميات المياه المتدفقة إلى المصارف، في الوقت الذي تعاني فيه مناطق أخرى من نقص المياه، فإن الأمر يستحق الوقوف عنده ومراجعته فنيًا وإداريًا.
المشكلة هنا ليست في وجود المصارف؛ فالمصارف جزء أساسي من أي منظومة ري متكاملة، وإنما في معرفة ما إذا كانت كميات المياه التي تدخل إليها تمثل تصريفًا ضروريًا أم فاقدًا كان يمكن الاستفادة منه في ري مساحات زراعية تحتاج إلى المياه.
هل المشكلة في المياه أم في إدارتها؟
هذا هو السؤال الأهم.
فالسودان ليس بلدًا فقيرًا بالمياه في كل مناطقه، لكن المشكلة كثيرًا ما تكون في كيفية إدارة المياه وتوزيعها وتوقيت وصولها.
وفي مشروع الجزيرة، حيث تعتمد الزراعة على شبكة واسعة ومعقدة من الترع والقنوات، فإن أي خلل في إدارة المياه أو فتح وإغلاق المنشآت المائية أو توزيع الحصص يمكن أن ينعكس مباشرة على المزارع.
وقد تكون هناك أسباب فنية لتصريف المياه، منها المحافظة على مناسيب معينة، أو حماية المنشآت، أو تصريف المياه الزائدة، أو متطلبات تشغيلية أخرى.
لكن هذه الأسباب يجب أن تكون قابلة للقياس والتفسير، خصوصًا عندما تتزامن عمليات التصريف مع شكاوى حقيقية من نقص المياه في مناطق زراعية أخرى.
مزارع القسم الشمالي لا يريد المستحيل
المزارع لا يطالب بأكثر من حقه في مياه الري.
فهو يزرع الأرض، ويتحمل تكاليف الإنتاج، ويواجه مخاطر الطقس والأسعار والمدخلات الزراعية، ثم يجد نفسه أمام تحدٍ آخر: هل ستصل المياه إلى محصوله في الوقت المناسب أم لا؟
والزراعة لا تنتظر طويلًا.
قد يكون تأخر الري يومًا أو عدة أيام كافيًا للتأثير على محصول، خصوصًا في المراحل الحرجة من عمر النبات.
ولهذا فإن عبارة «المياه موجودة» لا تكفي.
السؤال الصحيح هو:
أين توجد المياه؟ وكم تبلغ كميتها؟ ومتى تصل؟ ومن يقرر توزيعها؟ وكم يصل منها فعليًا إلى الحقول؟ وكم يخرج إلى المصارف؟
هذه الأسئلة هي التي يجب أن تجيب عنها إدارة الري بالأرقام، لا بالانطباعات.
من حق المزارع أن يعرف
في مثل هذه القضايا، لا يكفي أن يسمع المزارع أن المياه متوفرة أو أن الحصة المائية وصلت إلى المشروع.
المطلوب هو قدر أكبر من الشفافية في إدارة المياه.
يمكن أن تعلن الجهات المختصة بصورة دورية:
كميات المياه الواردة إلى المشروع.
كميات المياه المخصصة لكل قسم.
برنامج الري لكل ترعة.
المناسيب المطلوبة.
كميات المياه المصروفة عبر المصارف.
أسباب التصريف عندما يحدث.
المناطق التي تعاني من نقص المياه والإجراءات المتخذة لمعالجته.
مثل هذه المعلومات لن تحل المشكلة وحدها، لكنها ستجعل النقاش قائمًا على الأرقام والحقائق بدلًا من الشائعات والتقديرات الشخصية.
المصارف ليست عدوًا.. لكن الهدر مشكلة
من المهم التأكيد على أن المصارف المائية ضرورة لأي مشروع زراعي كبير، ولا يمكن التعامل معها باعتبارها مشكلة في حد ذاتها.
المشكلة تبدأ عندما يتحول جزء من المياه التي يمكن استخدامها في الإنتاج الزراعي إلى فاقد مستمر، بينما توجد في الجهة الأخرى مساحات زراعية عطشى.
وهنا تظهر الحاجة إلى مراجعة منظومة الري كاملة، وليس فقط مراقبة المصارف.
فربما يكون الحل في تحسين إدارة المناسيب، أو صيانة بعض القنوات، أو معالجة الاختناقات، أو تحسين توقيت فتح وإغلاق المنشآت، أو إعادة النظر في برنامج توزيع المياه بين الأقسام.
المطلوب ليس تبادل الاتهامات
في الظروف التي يمر بها السودان، مشروع الجزيرة يحتاج إلى خطاب مسؤول.
لا نريد أن يتحول الحديث عن المياه إلى اتهامات متبادلة بين المزارعين وإدارة المشروع والجهات المسؤولة.
ما نحتاجه هو تشخيص فني شفاف للمشكلة.
إذا كانت المياه المصروفة عبر المصارف ضرورية لأسباب فنية، فليُشرح ذلك للمزارعين.
وإذا كان جزء منها فاقدًا يمكن تقليله، فلتتم معالجة أسباب الفاقد.
وإذا كانت هناك مناطق لا تصلها حصتها في الوقت المناسب، فلتُعرف الأسباب والمسؤوليات بوضوح.
الجزيرة تحتاج إلى كل قطرة
مشروع الجزيرة ليس مجرد أرض زراعية؛ إنه أحد أهم مقومات الاقتصاد الزراعي السوداني، وأي خلل في منظومة الري ينعكس على المزارع وعلى الإنتاج وعلى الأمن الغذائي وعلى الاقتصاد بصورة عامة.
لذلك فإن المشهد الذي يجمع بين مياه تتدفق إلى المصارف وحقول تشكو العطش يجب ألا يمر باعتباره مشهدًا عابرًا.
إنه جرس إنذار يستحق التحقيق الفني.
والسؤال الذي ينبغي أن يكون حاضرًا أمام كل مسؤول عن إدارة مياه المشروع:
هل تصل كل قطرة يمكن الاستفادة منها إلى الحقل الذي يحتاجها، أم أن جزءًا من مياه الجزيرة يضيع بينما ينتظر المزارع نصيبه منها؟
الإجابة لا ينبغي أن تكون بالكلام، وإنما بالأرقام والقياسات والبيانات الميدانية.
فالمزارع لا يريد معجزة، وإنما يريد ماءً يصل إلى أرضه في الوقت المناسب.
وفي مشروع بحجم مشروع الجزيرة، فإن حسن إدارة المياه لا يقل أهمية عن توفيرها.
فالمياه التي تُنقذ محصولًا اليوم، قد تعني غذاءً ودخلًا واستقرارًا لأسرة كاملة غدًا..