
قد تبدو عبارة “دلّعينا يا حكومة” خروجا عن مألوف اللغة السياسية، لكنها في أصلها نداء شعبي جاد يحمل مطلبًا واضحًا: أن تعود الدولة إلى مواطنيها، وأن تستعيد السياسة معناها بعد حرب بعثرت تفاصيل الحياة ونظمها الآمن. وهنا يجب الإشارة إلى د. البوني، الذي يبرع في استخدام العامية داخل النص الصحفي، ما يجعل الخطاب الشعبي سياسيًا دون ان يفقد هيبته الفكرية. فالعبارة في هذا السياق، مدخل تحليلي لمشهد أعقد من أن تحتمله لغة رسمية جافة.
اختارت حكومة د. كامل إدريس أن تبدأ من قلب الخرطوم، تأكيدا أن الدولة لا تُدار عن بُعد، بل من حيث مركز السلطة. رغم تعقيدات الانتقال، تسعى الحكومة إلى إعادة وصل السياسة بمعاش الناس، عبر الخبز والماء والكهرباء والتعليم، و العودة الطوعية، بوصفها مدخلًا للاستقرار الحقيقي.
هذا ما أكدته بالأمس وزيرة شؤون مجلس الوزراء د. لمياء عبد الغفار، في مؤتمر صحفي بالخرطوم، حين أوضحت أن جوهر عمل الحكومة ينصرف إلى حماية معاش الناس وتحسين الخدمات الأساسية، معتبرة أن الاستقرار يبدأ من الخبز والدواء والمدرسة، قبل أي شعارات سياسية. كما أشارت إلى أن الموازنة الطارئة ركزت على مرتبات العاملين، والتعليم، والصحة، بالتوازي مع إعادة انتظام مؤسسات الدولة، وتعزيز الإدارة المؤسسية والتحول الرقمي لمكافحة الفساد وتسريع الخدمة.
هذه المسارات لم تنشأ في فراغ، بل جاءت نتيجة إدراك عميق لتداعيات حرب اندلعت في أبريل 2023 كمحاولة انقلاب سياسي خاطف، سعت فيه بعض القوى السياسية إلى توظيف بندقية الدعم السريع لإعادة هندسة السلطة دون تفويض شعبي أو قراءة واقعية لموازين الثقل الجماهيري.
غير أن تلك المحاولة تجاهلت حقائق راسخة: تماسك المؤسسة العسكرية، جاهزية الأجهزة الأمنية، واتساع رقعة المقاومة الشعبية، إلى جانب سقوط رهانات داعمين إقليميين خاضوا حربًا بالوكالة طمعًا في موارد البلاد وموقعها الاستراتيجي على البحر الأحمر.
دخل السودان هذه المواجهة وهو يدرك أنها معركة وجود. ومن يخوض حربًا دفاعًا عن كيانه لا يملك إلا خيار الثبات، إمّا أن ينتصر أو يُفنى.
في هذا السياق، لم يكن غريبًا أن تفتح الحكومة نوافذ استخراج الجوازات لتأمين خروج الأسر، قراءةً أمنية وإنسانية هدفت إلى تخفيف الضغط على الجبهة الداخلية، وترك المجال لحرب قد تطول. وبالتوازي تشكّلت شبكات طوارئ للخدمات، وتحولت محلية كرري إلى عاصمة مصغّرة، كما صمدت ولايات أخرى تحت سيطرة الدولة، حيث تُرك الخيار للمواطن بين البقاء أو النزوح الداخلي أو الهجرة الخارجية.
الآن بعد أن تبدل المشهد كل من يعود إلى ولاية الخرطوم، سواء كان نازحًا أو لاجئًا أو من أي موقع آخر في الوطن شردته الحرب، يواجه السؤال المصيري: كيف يمكنه تأمين رزقه ليتمكن من إعالة نفسه وأسرته، خصوصًا على صعيد البنود الحياتية الأساسية من الإيواء والطعام والصحة والتعليم؟ هذا السؤال ليس مجرد هم شخصي، بل مؤشر على قدرة الدولة على خلق بيئة صالحة للعيش والعمل، وجعل العودة اختيارًا ممكنًا وجاذبًا.
في قلب هذه المعادلة تقف فرص العمل باعتبارها