مقالات وكتاب

🟥 م/ الجعلي عبد القادر احمد يكتب.: السودان: من “النفير” إلى “مؤسسات النهضة”.. استراتيجية التعاونيات كطريق للتعافي*

في لحظة تاريخية بالغة التعقيد يمر بها السودان، حيث تتقاطع نيران الصراع مع تحديات النزوح وانهيار سلاسل الإمداد، لم تعد (الجمعيات التعاونية) مجرد خيار اجتماعي أو فلكلور تنموي عفا عليه الزمن، بل تحولت إلى ضرورة وجودية لانتشال الاقتصاد الوطني من حالة الهشاشة إلى رحاب الصمود. إنّ السودان اليوم في أمسّ الحاجة إلى استدعاء طاقته الكامنة—المتمثلة في تراث ”

(النفير) الشعبي الأصيل—لإعادة صياغتها في قوالب مؤسسية عصرية تضع الشباب والنساء في قلب معادلة الإنتاج والقرار.

 

الفلسفة الكامنة: مأسسة التكافل

لقد أثبتت تجارب التنمية العالمية أن الحماس الشعبي وحده لا يبني اقتصاداً مستداماً. إنَّ التحول الجوهري الذي نحتاجه يكمن في (مؤسسة التكافل) أي الانتقال من العمل العفوي إلى العمل الممنهج عبر ثلاث ركائز:

*النمذجة المصغرة* (البدء بنماذج نجاح قابلة للقياس) *الشفافية الراديكالية* (جعل السجلات متاحة لضمان الثقة)، و *القرار المبني على البيانات* (تحويل الأرقام إلى قرارات إنتاجية ذكية). إنَّ الجمعية التعاونية الفاعلة هي الجدار العازل الذي يحمي المنتج من تقلبات الوسطاء ويمنحه صوتاً مسموعاً.

 

المرأة: من (مساعدة) في المزرعة إلى (قطب) للصناعات التحويلية

إنّ الرؤية الضيقة التي تختزل دور المرأة الريفية في المزرعة قد أهدرت طاقات اقتصادية هائلة. الحقيقة هي أن المرأة السودانية تملك إمكانات استثنائية كـ “صانعة ومنتجة”. إنّ الانتقال بالمرأة إلى *الصناعات التحويلية الصغيرة داخل المنزل*—مثل تجفيف وتعبئة المنتجات، منتجات اللحوم وتصنيع الألبان والمخبوزات ، وتجهيز الحبوب—يغير قواعد اللعبة فهو يحوّل المنتج الخام إلى سلعة ذات قيمة مضافة يقلل الفاقد ويخلق دخلاً يومياً مستقراً ومستقلاً عن مواسم الحصاد. إنّ كل منزل يتحول إلى (مصنع صغير) هو لبنة في بناء اقتصاد وطني صامد يعتمد على التصنيع لا على تصدير المواد الأولية.

 

فجوة التدريب المهني: الحلقة المفقودة

يظل التحدي الأكبر الذي يواجه تمكين الشباب والنساء في ظل الجمعيات التعاونية هو (فجوة المهارة) إنّ الجمعية التعاونية التي تكتفي بالتنظيم الإداري دون أن تمتلك (مركز تدريب مهني) ملازم هي جمعية منقوصة. نحن نفتقد اليوم لبرامج تدريبية احترافية تنقل للشباب والنساء تقنيات الحفظ، التغليف إدارة الجودة، والمحاسبة البسيطة والتسويق الرقمي. إنَّ غياب هذا التدريب يجعل الإنتاج بدائياً ومحدود الأثر. لذا، يجب أن تتحول الجمعية من مجرد وعاء للتمويل إلى (أكاديمية مهنية) تضخ المهارات في عصب الإنتاج المنزلي والريفي.

 

استدعاء العقول: قوة الخبرة السودانية

المأساة التي نعيشها ليست في نقص الموارد، بل في ”

(عزلة المعرفة) . يمتلك السودان جيشاً من الكفاءات في الجامعات والمراكز التقنية. آن الأوان لكسر هذه العزلة؛ إذ يجب أن تتحول الجامعات من أبراج عاجية تمنح الشهادات، إلى (شريك ميداني) يضخ الخبرة في عصب التعاونيات. إننا ندعو لتكوين (شبكة خبرات وطنية) تتبنى كل تعاونية تراجع خططها وتدرب كوادرها. إنَّ الربط بين (خبرة الأكاديمي) و(عرق المنتج هو الجسر الوحيد الذي سيعبر بالسودان نحو النهضة.

 

نداء للعمل: وثيقة عهد لمستقبل وطني

يا أهل السودان إنَّ التعاونية هي (مدرسة للمواطنة الاقتصادية) إننا ندعو كل خبير، وأكاديمي، وقيادي مجتمعي، إلى الانخراط في (مشروع النهضة التعاوني) دورنا ليس (إدارة) التفاصيل، بل (تمكين) المنتجين من النجاح.

إنَّ السودان يملك الأرض، ويملك الخبرة، ويملك التراث الأخلاقي للتعاون. وما ينقصنا هو القرار الشجاع بالانتقال من (انتظار الحلول) إلى (صناعة الحلول) من القاعدة إلى القمة. دعونا نبدأ الآن—لا بالخطابات، بل بالتنفيذ—لنبرهن للعالم أن السودانيين، حين يتحدون على قاعدة المعرفة والإدارة، لا يمكن هزيمتهم اقتصادياً. إنها وثيقة عهد لمستقبل يملكه من ينتج، ويحميه من يخطط، ويزدهر بفضل من يتعاون. إنَّ التعافي ليس بعيداً، إنه يكمن في قدرتنا على التكاتف حول رؤية واضحة، منضبطة، ومتجذرة في كل بيت سوداني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى