مقالات وكتاب

🟥*أبيي.. حين مزّقت السياسة ما جمعه الدم* *بقلم: شميلة*

🟥ماذا استفدتم يا أبناء المسيرية ودينكا نقوك من هذه الاتفاقيات

لم تكن أبيي يوماً مجرد خط رسمه قلم المستعمر على الخريطة، ولا مجرد بئر نفط تتصارع حولها الحسابات السياسية. أبيي كانت وما زالت رحماً واحداً، جمع المسيرية ودينكا نقوك في تاريخ طويل من الجوار والمصاهرة والمصير المشترك..

ومن لا يعرف هذا التاريخ، فليسمعه من أهله، لا من أوراق السياسيين.

جَدّنا الشيخ أروب بيوّنق وشقيقه بلبك – جد الناظر دينق مجوك – كانا في طليعة ثورة المهدية إلى جانب المجاهد علي الجلة شيخ المسيرية. لم يكن ذلك تحالفاً عابراً، بل رابطة صاغتها الأرض والدم والمصير..

ومنذ ذلك الحين ظل دينكا نقوك جزءاً أصيلاً من نسيج كردفان، يعيشون على الأرض يزرعونها ويسكنونها لا كضيوف عابرين، بل كأهل دار وجوار وحقوق.

في أحداث قوقريال عام 1964، حمل السلطان ماكير ريحان أسر الضحايا بيده وسلمهم إلى الناظر بابو نمر في المجلد. وفي أحداث 1965 لم يبحث الناس عن حل في الخارج، بل جلس أبناء المنطقة مع بعضهم، فانعقد مؤتمرا أبيي الأول والثاني عام 1966 ووُضعت أسس الحياة المشتركة: للمسيرية حق المرعى والماء، ولدينكا نقوك حق السكن والزراعة، والأمن مسؤولية مشتركة بين النظار والسلاطين، والسلاح للدفاع عن النفس لا للاعتداء على الجار.

وتجاوز حسن الجوار حدود الأرض إلى المصاهرة والقرابة، حتى صار بيت الناظر دينق مجوك وبيت الناظر بابو نمر نموذجاً لعلاقة تتجاوز السياسة والحدود.

وفي 8 ديسمبر 1980 ذهب وفد مشترك من المسيرية ودينكا نقوك إلى الخرطوم وقال للرئيس جعفر نميري كلمة تختصر جوهر العلاقة:
*”إن شئتم نقلتم الأرض شمالاً أو جنوباً، أما نحن القبيلتين فسنظل معاً”.*

تلك كانت أبيي قبل أن تدخلها السياسة.

*ماذا استفدنا من الاتفاقيات؟*

ثم جاءت اتفاقية أبيي، فنسفت هذا الإرث وضربت علاقة القبيلتين في مقتل، وزعزعت حتى سودانية دينكا نقوك حين طرحت الاستفتاء لتقرير التبعية.

هذه الاتفاقية وُقّعت بين المؤتمر الوطني والحركة الشعبية، وليس بين القبيلتين، ولذلك هي مرفوضة عند أهل الأرض. وحتى جوبا نفسها بعد أن وقّعت على اتفاق 20 يونيو 2011 تراجعت عنه واحتلت قواتها المنطقة الواقعة شمال خط 56.

لذلك فإن الهيئة الشعبية ترفض هذه الاتفاقية وتطالب الجيش السوداني بالانتشار في الحدود المتفق عليها في اتفاق مشاكوس، وتؤكد أن أبناء المسيرية ودينكا نقوك يقاتلون اليوم مع الجيش لاستعادة الأمن في ربوع الوطن.

وهنا نسأل بصوت واضح: ماذا استفاد أبناء المسيرية ودينكا نقوك من هذه الاتفاقيات؟ ماذا جلبت سوى مزيد من التعقيد والنزوح والتوتر وتعطيل الحياة المشتركة؟ اتفاق صيغ في سياق صراع سياسي لم يصنعه النظار والسلاطين، فبقيت الفجوة واسعة بين ما كتبته السياسة وما عاشه المجتمع.

 

اليوم وجد كثير من أبناء دينكا نقوك أنفسهم أمام أسئلة قاسية عن المواطنة والرقم الوطني والوظائف والانتماء الإداري. وفي المقابل شعر المسيرية أن حقوقهم التاريخية في المرعى والماء ومسارات الماشية أصبحت رهينة للترتيبات الأمنية، وأن مسارات عاشت عليها الأجيال تحولت إلى حواجز ومناطق توتر.

تحولت علاقة التعايش إلى ملف تتنازعه التفسيرات السياسية، وظلت أبيي معلقة بين ترتيبات مؤقتة وحلول لم ترضِ أهلها.

*المشكلة ليست في أهل أبيي*

المشكلة الحقيقية ليست في المسيرية وليست في دينكا نقوك. المشكلة في تحويل مجتمع عاش قروناً متعايشاً إلى طرفين في صراع سياسي.

للمسيرية حقوقهم التاريخية في الأرض والمسارات والمياه، ولدينكا نقوك حقوقهم في السكن والزراعة والمواطنة والكرامة. ولا يمكن بناء مستقبل أبيي بإلغاء حق طرف لحساب الآخر.

ونؤكد أن مؤسسات أبيي هي مؤسسات دولة وليست مؤسسات قبيلة، وإن كان أحد أبنائها مديراً لها. ومن حق كل أبناء القبائل الأخرى التوظيف فيها وإدارتها، خاصة أبناء دينكا نقوك، إشاعة لروح العدالة. ومن حقهم نيل الرقم الوطني والتوظيف والاستوزار في الحكومة متى استوفوا الشروط القانونية. ونلفت نظر الحكومة إلى أن من بين أبناء دينكا نقوك من ضاعت حقوقهم وشملهم التخفيض بعد انفصال الجنوب وما زالوا تائهين.

إن الحل الذي لا يحفظ حقوق الاثنين سيظل حلاً مؤقتاً مهما كثرت البروتوكولات واللجان.

*ما الذي نريده لأبيي؟*

المطلوب اليوم ليس إعادة إنتاج الصراع، بل العودة إلى جوهر أبيي: النظار والسلاطين، الجيرة، المصاهرة، الرعي والزراعة، والتعايش.

ونؤكد على المبادئ الآتية:

*أولاً:* حل نهائي وعادل لقضية أبيي بمشاركة أهل المنطقة وأصحاب المصلحة الحقيقيين، بعيداً عن الصفقات السياسية.

*ثانياً:* احترام حقوق المسيرية في الرعي والماء والمسارات، وحقوق دينكا نقوك في السكن والزراعة والمواطنة والخدمات والتمثيل.

*ثالثاً:* أن تكون مؤسسات أبيي مؤسسات عامة للجميع، لا تُحتكر قبلياً، وتُفتح الوظائف فيها على أساس الكفاءة والمواطنة.

*رابعاً:* ضمان حق دينكا نقوك في الرقم الوطني والوظائف العامة، فالمواطنة لا يجب أن تتحول إلى أداة صراع.

*خامساً:* الالتزام بالترتيبات الأمنية ومنع أي وجود عسكري يحرك المنطقة نحو الحرب.

*سادساً:* إعادة بناء الثقة بين المسيرية ودينكا نقوك، فلا سلام مستدام دون قبول المجتمعين.

أبيي لا تحتاج حرباً جديدة، بل تحتاج أن تعود إلى ذاكرتها. لقد أثبت التاريخ أن المسيرية ودينكا نقوك استطاعوا في أصعب الظروف أن يعيشوا معاً ويتصاهروا ويحرس بعضهم بعضاً، فلماذا نعجز اليوم؟

أبيي ليست مجرد أرض متنازع عليها، إنها ذاكرة مشتركة وبيوت ومقابر ومراعٍ ومياه وعلاقات.

إذا كانت السياسة قد وضعت القبيلتين في مواجهة، فإن الإرادة الشعبية قادرة على ترميم ما هدمته السياسة. أبيي لن تستعيد عافيتها بكثرة البروتوكولات وحدها، بل بعودة النظار والسلاطين إلى طاولة واحدة، وعودة البقارة والرعاة إلى مشرب واحد، وعودة أهل أبيي إلى منطق الجيرة بدل منطق الخصومة.

فالتاريخ لا تصنعه الخرائط وحدها، ولا تحفظه الاتفاقيات وحدها. التاريخ تصنعه الشعوب وتحفظه صلات الرحم والجوار.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى