
تمثّل مبادرة “الخرطوم خضراء” تحوّلًا لافتًا في المزاج السياسي والاجتماعي بعد الحرب، إذ تعيد تعريف دور الشباب ومعنى الإعمار، كما تعيد تعريف علاقة المواطن بالدولة وتؤكد أن تعافي الخرطوم يبدأ من داخلها، بإرادة أبنائها، لا عبر موائد التفاوض عبر التشجير واشاعة الامن.
هذا الدور الشبابي المهم جزء من تجربة شخصية في العمل الطوعي. ففي عام 2016، قدتُ المجموعة الوطنية لمنظمات المجتمع المدني، التي ضمّت 64 منظمة شبابية، وقدمنا من خلالها مجموعة من المبادرات الإنسانية التي أثبتت أن الشباب قادر على تحريك المجتمع ودعم مؤسسات الدولة، وأن الحراك المدني يمكن أن يكون قوة تغيير ناعمة ومؤثرة.
وتجسدت هذه القدرة في مشاريع إعادة توطين الرحل في دارفور، فيما عرف بحصاد المياه التي أعادت نحو 380 أسرة إلى ديارها بعد توفير المياه، المراعي، والتعليم، والعلاج وبالتعاون الوثيق مع الجهات الحكومية.
هذه التجربة أثبتت أن العمل التطوعي ليس نشاطًا هامشيًا، بل رافعة سياسية حقيقية تعيد بناء السلطة والمجتمع ، وتؤكد أن الشباب شركاء فاعلون في صياغة الواقع وإعادة الحياة إلى أرض السودان.
المبادرة اليوم تدعو الكتلة الضخمة من المنظمات الوطنية والأجنبية المسجلة رسميًا، التي تتجاوز عشرة آلاف منظمة بحسب إحصاءات مفوضية العون الإنساني، إلى الانخراط في هذا المشروع الوطني.
فالسودان يضم أكثر من 10,500 منظمة وطنية، منها نحو 4,800 منظمة مسجلة رسميًا، إضافة إلى 107 منظمات أجنبية تعمل في مجالات الإغاثة، إعادة الإعمار، الصحة، الأمن الغذائي، والتعليم. هذا “الجيش المدني” الصامت لم يكن يومًا خارج المعادلة السياسية، بل ظل دائمًا جزءًا من هندسة الاستقرار والهشاشة، قادرًا على تحويل الخبرات المتنوعة إلى قوة فاعلة لإعادة الحياة إلى الخرطوم والمجتمع بعد الحرب.
إذ إن مشاركة هذه المنظمات، ستترجم الخبرات المتنوعة إلى قوة فاعلة لإعادة الخرطوم إلى الحياة، من خلال التشجير، الترميم، الإصحاح البيئي، وتحويل الشوارع والحدائق إلى فضاءات نابضة بالحياة.
وفي المقابل، لا يمكن لأي عمل تطوعي أن ينجح بمعزل عن دعم الجهات الحكومية والخاصة . هؤلاء الشباب التقوا بالمسؤولين في وزارة الزراعة والري والثروة الحيوانية وولاية الخرطوم، أعقبت هذه اللقاءات التزام بتوفير الشتول والتدريب والتنسيق مع المحليات والشركاء، ذلك يكشف أن المبادرة تجاوزت التنظير لتدخل صميم التنفيذ ضمن إعادة الإعمار.
هذه المبادرة جاءت لتؤكد أن الدولة التي عادت إلى الخرطوم بعد الحرب، باتت فاعلًا ، و شريكًا في مشروع يعيد تعريف السلطة بوصفها تمكينًا ورعاية، لا مجرد إدارة فوقية. ويتزامن هذا المسار مع خطوات حكومية واسعة لإعادة تطبيع الحياة: إزالة مخلفات الحرب، إعادة تشغيل المستشفيات، تأهيل الحدائق والملاعب، وصيانة شبكات الكهرباء والمياه والاتصالات. لكن هذه الإجراءات، مهما بلغت أهميتها، تظل ناقصة إن لم ترافقها طاقات شبابية فاعلة تعيد صياغة العلاقة بين المدينة وسكانها.
التجارب المقارنة في بيروت ورواندا بعد الحرب تقدم قراءة لهذا التحول. في بيروت، سبق الشباب الدولة إلى الساحات، أعادوا تشجيرها وتأهيلها، وصنعوا من التطوع ممارسة سياسية استبقت الدولة في إعادة بناء المدينة.
كذلك في رواندا، صار العمل الطوعي جزءًا من العقد الاجتماعي الجديد، يعيد تعريف المواطن كشريك في البناء. الخرطوم اليوم تقع بين هذين النموذجين: تبدأ من الشارع، لكنها تمتلك فرصة لأن تتحول إلى مشروع وطني شامل يدمج الشباب، المجتمع المدني، والقطاع الخاص في صميم إعادة الإعمار وإعادة الدولة بعد الحرب.