مقالات وكتاب

🟥 كادوقلي حين تنفّست… والجيش حين أوفى

الأستاذ: موسى داؤد كاتب ومحلل سياسي

حين انفرج حصار كادوقلي، لم يكن ذلك مجرّد حدثٍ عسكريٍّ في سجلّ العمليات، بل كان لحظةً وطنيةً استعادت فيها المدينة حقّها في الهواء والضوء، وحقّ السودان في أن يرى جيشه وهو يفي بعهد الحماية ويؤكّد معنى الدولة حين تُختبر في أقسى الظروف. كادوقلي، هذه المدينة التي تعلّمت الصبر حتى صار جزءًا من جغرافيتها، خرجت من طوق العتمة لتعلن أنّ الإرادة الشعبية حين تتكئ على جيشٍ وطنيٍّ راسخ، تستطيع أن تكسر أطواق الحصار كما تُكسر القيود.
لقد خاضت القوات المسلحة معركةً مركّبة: معركة الميدان ومعركة المعنى. في الأولى أظهرت احترافًا وتخطيطًا وانضباطًا، وفي الثانية أعادت تثبيت الثقة بين المواطن والمؤسسة العسكرية بوصفها درع الوطن وسنده الأخير حين تتشظّى السياسة وتضيق الخيارات. لم يكن فكّ الحصار عملًا ارتجاليًا، بل نتاج رؤية عملياتية تدرّجت من تأمين المحاور إلى فتح الممرات، ومن تحييد التهديدات إلى استعادة المبادرة. هنا يتجلّى الفرق بين قوةٍ تعمل بعقيدة دولة، وقوى تتغذّى على الفوضى.
أمّا شعب كادوقلي، فقد قدّم درسًا في الصبر المدني الذي لا يقلّ بطولةً عن الشجاعة العسكرية. صبرٌ لم يكن استسلامًا، بل صمودًا أخلاقيًا حافظ على نسيج المدينة، وحمى روحها من الانكسار. حين تتقاطع البنادق مع الخبز، وتتنازع القذائف مع الدعاء، يخرج معدن البشر على حقيقته؛ وقد خرج أهل كادوقلي أصلب من الحصار، وأكثر التصاقًا بأرضهم وذاكرتهم.
سياسيًا، يحمل فكّ الحصار دلالات تتجاوز الجغرافيا. فهو يرسل رسالة إلى الداخل بأن الدولة قادرة على استعادة زمام المبادرة متى ما توافرت الإرادة ووُضعت الكفاءة في موضعها الصحيح، ويبعث إلى الخارج بإشارةٍ مفادها أنّ السودان ليس ساحةً سائبة، بل كيانٌ يُحسن الدفاع عن مدنه وحماية مواطنيه. كما يعيد ترتيب ميزان الردع، ويُضعف سرديات العبث التي تراهن على إنهاك المدن حتى تركع.
في الاستراتيجية الكبرى، يمثّل ما جرى في كادوقلي نموذجًا يمكن البناء عليه: تكامل الاستخبارات مع الحركة الميدانية، وتلاقي الدعم الشعبي مع الفعل العسكري، وتقدّم الهدف الوطني على أي حسابات ضيّقة. هذه الثلاثية—الاحتراف، والشرعية الشعبية، ووضوح الغاية—هي ما يمنح العمليات معناها السياسي، ويحوّل النصر التكتيكي إلى رصيدٍ استراتيجي.
نحن، إذ نحيّي القوات المسلحة على وفائها وبسالتها، نحيّي معها أخلاقيات الجندية التي لا تُقاس بعدد الطلقات بل بقدرتها على حماية الإنسان قبل الأرض. ونشدّ على أيدي أبناء وبنات كادوقلي الذين كتبوا بالصبر سطرًا مضيئًا في دفتر الوطن، مؤكدين أنّ المدن التي تُحسن الانتظار تُحسن أيضًا استقبال الفجر.
ليكن فكّ حصار كادوقلي بدايةَ مسارٍ يعيد للمدن المحاصَرة حقّها في الحياة، ويعيد للدولة صورتها حين تتقدّم على ذاتها، وتضع الوطن فوق كل اعتبار. فالسودان، في لحظات كهذه، لا يحتاج إلى ضجيج الشعارات بقدر ما يحتاج إلى هدوء العمل، وإلى جيشٍ يعرف أين يقف، وشعبٍ يعرف لماذا يصبر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى