🟥 حين ينزل القائد إلى الميدان: السياسة في هيئة بزّة عسكرية
الأستاذ: موسى داؤد كاتب ومحلل سياسي

ليس تفقدُ القائد العام للقوات المسلحة الفريق أول الركن عبد الفتاح البرهان للواء الخامس مجرد زيارة روتينية تُدرج في أجندة القيادة العليا، بل هو فعل سياسي بامتياز، مكتوب بلغة الميدان، ومشحون برسائل تتجاوز حدود العرض العسكري إلى عمق معادلات الصراع في السودان. ففي لحظة تاريخية تتشابك فيها الجبهات العسكرية مع ساحات الحرب النفسية والإعلامية، يصبح حضور القائد وسط جنوده نصاً سيادياً يوازي في تأثيره بيانات الحكومات وخطب المنابر الدولية.
ظهور البرهان في قلب وحداته المقاتلة، وهو يتفقد الجاهزية القتالية ويخاطب الجنود بعين القائد ووجدان الجندي، يعيد ترسيم صورة الدولة ذاتها: دولة لم تنكفئ في المكاتب، ولم تختبئ خلف المتاريس السياسية، بل خرجت إلى خطوط النار لتؤكد أن الشرعية في زمن الحرب تُصاغ من عرق الجنود لا من أوراق التفاوض وحدها. هنا تتجلى القيادة لا بوصفها سلطة، بل باعتبارها شراكة مصير بين من يصدر القرار ومن ينفذه تحت القصف.
في علم الاستراتيجية، يُعد حضور القائد الأعلى في مسرح العمليات ذروة ما يُعرف بـ”القيادة الرمزية الفاعلة”، إذ تتحول الزيارة إلى أداة تعبئة معنوية، ورسالة ردع نفسية، وإشارة ثقة داخلية. الجندي الذي يرى قائده بين صفوفه لا يعود مجرد مقاتل مأمور، بل يصبح حارساً لفكرة الدولة نفسها. والجيش الذي يرى قائده يتقدّم نحوه، لا ينتظر الأوامر فحسب، بل يتشرّب روح الحسم والانضباط والانتماء.
لكن البعد الأعمق لهذه الزيارة يتجاوز المعنويات إلى البنية الاستراتيجية للصراع. ففي توقيت بالغ الحساسية، حيث تحاول المليشيا صناعة وهم الصمود عبر الضجيج الإعلامي وحرب الشائعات، يأتي ظهور البرهان ليقوّض هذا الوهم من أساسه. فالمليشيات تنهار أولاً في وعي مقاتليها قبل أن تنهار في خطوطها القتالية، وأخطر ما يواجهها ليس الرصاص بل فقدان الإيمان بقيادتها وبقدرتها على الاستمرار. حين يرى الجندي النظامي قائده في الميدان، ويرى المقاتل المليشياوي قيادته في الظل أو المنفى، يبدأ ميزان الحرب النفسية في الانقلاب الحاسم.
إن اصطفاف جنود اللواء الخامس حول قائدهم العام ليس مشهداً بروتوكولياً، بل صورة مكثفة لانهيار معسكر الفوضى. فالمليشيات بطبيعتها تقوم على ولاءات هشة، وعلى قيادة مفصولة عن القاعدة المقاتلة، بينما تقوم الجيوش الوطنية على عقيدة، وتسلسل، ورابطة مصير. لهذا، فإن كل زيارة ميدانية من البرهان هي في حقيقتها عملية تفكيك غير مباشرة لروح التمرد، وبناء متدرّج لروح الدولة.
سياسياً، يرسل هذا الظهور رسالة إلى الداخل والخارج مفادها أن مركز الثقل لا يزال في يد المؤسسة العسكرية الوطنية، وأن مشروع الدولة لم يُهزم، وأن الرهان على إنهاك الجيش أو عزله عن قيادته رهان خاسر. كما أنه يوجّه إشارة واضحة للقوى الإقليمية والدولية بأن الجيش ليس جسماً متداعياً يبحث عن تسوية بأي ثمن، بل قوة منظمة تمتلك الإرادة والقيادة والقدرة على مواصلة الصراع حتى استعادة كامل السيادة.
في الحروب الكبرى، لا تُحسم المعارك فقط في الخنادق، بل في العقول والرموز. وعبد الفتاح البرهان، بوجوده وسط جنوده، يعيد تعريف المعركة باعتبارها معركة دولة ضد فوضى، ونظام ضد عبث، ومؤسسة ضد مليشيا. هنا يصبح القائد ذاته سلاحاً، وتصبح الزيارة طلقة معنوية في قلب مشروع التمرد.
هكذا، لا يمكن قراءة تفقد اللواء الخامس إلا بوصفه إعلاناً غير مكتوب بأن مرحلة الانكفاء قد انتهت، وأن زمن المبادرة قد بدأ، وأن من يملك القائد في الميدان يملك – في النهاية – مستقبل المعركة.