مقالات وكتاب

🟥 السفير الشعبي مدني النذير يكتب: عثمان السيد فضل السيد شيء من بركات السلف.

كبسون نيوز: حيث الخبر

عثمان السيد فضل السيد، اجتماعي من الطراز السوداني القديم

في حياة السودان رجال صنعتهم التجارب، والبلاد التي عبروا فيها، والناس الذين عرفوهم، والقدرة النادرة على الاحتفاظ بالإنسان داخلهم رغم قسوة السياسة وتقلبات الدولة.

كان صاحبنا

واحدا من أولئك الرجال.

لم يكن صوته عاليا، ولا كان من الذين يملأون المكان بالاستعراض، لكنك ما إن تجلس إليه حتى تشعر أنك أمام رجل عاش أعمارا كثيرة في عمر واحد. رجل إذا دخل المجلس اعتدلت الجلسة، احتراما لحضوره وهيبته الهادئة.

كان يشبه السودان القديم، ذلك السودان الذي كان يصنع رجاله بالصبر والتعليم والأسفار وكثرة الإصغاء للناس. وحين تراه لا يخطر ببالك أنه رجل أمن ودبلوماسية، بل تظنه أستاذا جامعيا، أو شيخ طريقة، أو واحدا من أولئك السودانيين القدامى الذين يلتزمون الصدق تجاه عاطفتهم، و تجاه انفسهم، و بيئتهم.

خرج من حي القبة بمدينة الأبيض، و سماه والدة تيمنا يصديقة و صفية عثمان مجذوب البُر، و درس في خلوة جده الصالح شيخ محمد، ثم مدرسة القبة، ثم الاميرة و اخيرا خورطقت الفيحاء، سافر الي بيروت متخرجا من الجامعة الامريكية، زامل د. بابكر عبدالله، د. قاسم بدري، و الاستاذ صالح شبور. و حمل معه طباع كردفان أينما ذهب، الكرم بسخاء، والذكاء دون استعراض، والوفاء الذي لا تغيره المناصب ولا تبدله العواصم. وظلت الأبيض تسكنه حتى وهو يتنقل بين بيروت وأديس أبابا والرياض والخرطوم، وكأن المدينة القديمة كانت تمشي معه في صوته وطريقته ونظرته للناس.

وكان مجلسه عامراً بالحكايات، بوجود تومي كرأس حربة الجلسة، و يتداعي احبابه، محجوب الدبل، ارباب وداعة، الفاتح مكي التميتيم، اسماعيل خليل ابوعجلات، عثمان الشيخ، عبدالوهاب بكري، التاج جرة، و الاقرب الانسان عمر الزين عبيد. و يسأل عن الغائبين واحدا واحدا الي ان يبلغ مجلسة نصاب اللمّة المباركة، التي يتخذون من المحبة جلابية، و من النقاء و الصُحبة، عِمة و شال. لا يحكي للتفاخر، في حديثة صدق و حكمة الكبار، و بكمية محنة تكفي كل المدينة.كانت ذاكرته واحدة من أكثر الأشياء إدهاشا فيه، ذاكرة تحفظ الوجوه، و الانساب، وطبائع الرجال، والجمل التي قيلت، يحكيها بصوته المميز، المليء بالثقة، بكلمات تمر بمصافي داخلية لتخرج نقية، نقاء سريرتة.

ورغم جدية المناصب وثقل الملفات التي حملها، فقد كان خفيف الروح بصورة لافتة. يطلق النكتة في موضعها، ويكسر رهبة المجالس، بوجهه الهاديء، و عينه الفاحصة تلمع فراسة، و بابتسامة ذكية أو تعليق لماح، وكانت تلك خفة الروح المحببة جزءا أصيلا من شخصيته، تُقربه من الناس وتزيل الحواجز بينه وبين من يجلسون إليه. حتي ان ملس زيناوي، رئيس الوزراء الاثيوبي، كان دائم الزيارة له بمسكنه، بعيدا عن البرتوكولات، يجد في صحبتة الاُنس و المشورة في شؤن بلده و يجد من صاحبنا الاجابات الحكيمة، لإن احضانه تسع جموع محبيه، رئيسا كان ام خفير.

غير أن ما كان يميّز صاحبنا أكثر من خبرته الواسعة، هو إنسانيته العميقة. فقد ظل ملازما للعادات السودانية الأصيلة في الأفراح والمآتم، لا يكتفي بالحضور أو كلمات المجاملة ، بل يدفع من ماله الخاص ومن وقته وجهده، كأنما يؤدي واجبا أخلاقيا تجاه الناس. وكان يفعل ذلك بعفوية كاملة، دون ضجيج أو انتظار لثناء.

وكان يرى أن الوقوف مع الناس في أفراحهم وأحزانهم، معنى من معاني الرجولة والمروءة السودانية القديمة. لذلك أحبه الناس على اختلاف مواقعهم،

لصاحبنا شيء من طبيعة كردفان نفسها، يأتيك كالدعاش، حاملا غيمة ممطرة، تفرح الانسان، و الأرض معا، فينبت زهور الآس، برائحتة و لونه الابيض بياض قلبه، ظل قريبا من الناس مهما ابتعدت به المواقع والمهام.

ورغم السنوات الطويلة التي قضاها في دهاليز التعليم، و الأمن والدبلوماسية، لم يتحول إلى رجل قاس أو متعال، بل بقي محتفظا بقدر كبير من التواضع والبساطة، يعرف الناس بأسمائهم، ويسأل عن أسرهم وأحوالهم، و يرسل المرتبات الشهرية لعدد من الاُسر، دون مَنْ و لا اذي، و لا يعرف احد ما كان يقوم به، ويتابع أخبار من عرفهم منذ عقود كما لو أن الزمن لم يتحرك، يجمع الاحباب حولة و كأنه شيخ طريقة مع مريدية، و عندما ينتشي الجميع بحرارة و متعة مجلسة، يطلب ان تنقل الجلسة لخور القبة، اشتياقا و حنينا لأيام مضت، و ليعيد ذكريات و يبحث عن بعض حنين لرمال الخور الراقدة باطمئنان، محتضنة للذكريات، ثم تاتيهم نسمة بركة من تلقاء ضريح الشيخ الاستاذ اسماعيل الولي.

وحين رحل عثمان السيد، لم يرحل سفير أو رجل مخابرات ، وإنما رحل جيل كامل من السودانيين الذين جمعوا بين التعليم والانضباط والخبرة والوفاء والبساطة. جيل كان يؤمن أن قيمة الإنسان فيما يتركه في قلوب الناس، لا فيما يعلقه على صدره من أوسمة، و لا علي كتفة من علامات.

رحم الله عثمان السيد، فقد عاش كبيرا في حضوره، وكبيرا في مروءته، وكبيراً في وفائه للناس والبلد، و مدينتة الاُبيض العروس، و حَي القبة، شيخ الاحياء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى