مقالات وكتاب

🟥 محمد عثمان الرضي يكتب: على أعتاب طيبة… حين يلامس القلب حضرة المصطفى ﷺ

ما إن غادرت مكة المكرمة متوجهاً نحو المدينة المنورة، حتى أخذتني حالة من السكينة لم أعرف لها مثيلاً من قبل. كان الطريق يمتد أمامي عبر الصحراء، لكن داخلي كان يمتلئ بأنوار الطمأنينة، وكأن الروح تستعد للوقوف في حضرة مقامٍ عظيم، حيث يرقد سيد الخلق ﷺ.

 

 

 

خلال الرحلة البرية، ظللت أستحضر مشاهد الهجرة النبوية، ذلك الحدث المفصلي الذي غيّر مجرى التاريخ الإنساني. تخيلت رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام وهم يشقون الصحراء على ظهور الدواب، يتحملون وعثاء السفر وحرارة الرمال، مدفوعين بإيمان راسخ ويقين لا يتزعزع بوعد الله.

 

كانت رحلة ملؤها التضحية والصبر، لكنها أيضاً كانت بداية فجر جديد للأمة.

 

 

اليوم نقطع المسافة ذاتها في ساعات معدودة، عبر طرق معبدة متعددة المسارات، في سيارات مكيّفة، تحفّها محطات الاستراحة والمطاعم. الفارق الزمني شاسع، غير أن المعنى الروحي للرحلة يبقى واحداً؛ إنها رحلة من ظاهر الجغرافيا إلى باطن الإيمان.

 

 

 

المدينة المنورة ليست مجرد مدينة، بل حالة وجدانية متفردة. هي فضاء روحي مفتوح، يشعر فيه المرء بأنفاسه تنتظم على إيقاع الذكر، وأن قلبه يلين تلقائياً كلما اقترب من مسجد رسول الله ﷺ. هناك، يتراجع صخب الحياة، ويتقدم الصفاء الداخلي في مشهد مهيب.

 

 

أصدقكم القول، ما إن لاحت لي معالم طيبة حتى شعرت بتغير في دقات قلبي. ازداد الخفقان، لا قلقاً، بل شوقاً. وتبدلت أنفاسي صعوداً ونزولاً كأنها تتنفس عبق السيرة العطرة، وكأن الروح تعود إلى أصلها الأول.

 

 

 

في المدينة المنورة، يتجلى أثر الصحبة الأولى. هنا استقبل الأنصار إخوانهم المهاجرين، وكتبوا صفحات خالدة في الإيثار والتجرد ونصرة الحق.

 

أهلها اليوم يحملون من ذلك الإرث نصيباً؛ طيبة في المعشر، هادئة في الطباع، وديعة في ملامحها، كأن المكان يربي ساكنيه على السكينة.

 

 

لقد أتيحت لي فرص لزيارة عواصم عربية وأفريقية عديدة، ورأيت من مظاهر الحضارة والتنوع الكثير، غير أن المدينة المنورة تظل استثناءً قائماً بذاته. هي ليست مدينة تُزار فحسب، بل تجربة تُعاش، وسرٌّ لا يُدرك إلا بالمعايشة.

 

 

كنت أتساءل: لِمَ يميل كثير من الناس إلى الإقامة في المدينة المنورة رغم عظمة الأجر في مكة المكرمة؟ ثم أدركت أن للأماكن أرواحاً، وأن لطيبة خصوصية تتجاوز الحسابات الرقمية للأجر والثواب. ثمة سر خفي يتسلل إلى القلب، فلا يملك إلا أن يطمئن.

 

 

ورغم أنني أعاني منذ قرابة عشر سنوات من مرضي السكري وارتفاع ضغط الدم، وأحرص على تناول العلاج بانتظام، بل وأجريت فحوصات طبية قبل قدومي إلى الأراضي المقدسة، فإنني شعرت عند دخولي المدينة المنورة بحالة من التعافي المعنوي العميق. لم يكن شفاءً طبياً بالمعنى الحرفي، ولكنه شفاء الروح حين تأنس بالقرب من مقام رسول الله ﷺ.

 

 

وعندما وصلت بنا السيارة إلى المحطة الأخيرة، وجدت نفسي وجهاً لوجه أمام مسجد سيدنا بلال بن رباح، فتدفقت إلى ذاكرتي سيرة ذلك الصحابي الجليل بلال بن رباح رضي الله عنه. استحضرت مجاهداته وصبره تحت وطأة العذاب، والألم النفسي والجسدي الذي ذاقه حين صدع بإسلامه في وجه طغاة قريش، وهو يردد كلمته الخالدة: “أحدٌ أحد”.

 

عندها شعرت أن المكان لا يروي تاريخاً فحسب، بل يزرع في القلوب معنى الثبات على المبدأ، وأن الإيمان إذا خالط شغاف القلب هان دونه كل وجع.

 

 

 

وأنا أعيش وسط هذه الحالة الروحانية العالية جداً، وبين مدٍّ وجزرٍ من المشاعر الفيّاضة، فوجئت باتصال هاتفي تحفّه لهفة صادقة ونبرة شوق واضحة من ممثل بعثة الحج والعمرة الشاب الوقور حيدر زين العابدين. كانت كلماته مفعمة بالترحيب والثناء، فأنعشت صدري وأكدت لي أن روابط الأخوة الصادقة لا تقطعها المسافات. وحين انتهت المكالمة، عدت مباشرة إلى تلك الحالة الروحية التي انقطعت لدقائق، وكأن طيبة تأبى إلا أن تسترد زائرها إلى حضرة سكينتها، ليواصل رحلته بين الذكر والتأمل في أجواء يختلط فيها الشوق بالمهابة.

 

 

وهنا، عند أسوار المسجد النبوي، يشعر الزائر أن الزمن يتباطأ إجلالاً. كل خطوة نحو الروضة الشريفة تحمل في طياتها رهبة اللقاء، وكأن الأرواح تصطف قبل الأجساد، مستأذنة بالدخول إلى حضرة السلام. تتساقط من القلب أثقال الدنيا، ويحل محلها نور الرجاء.

 

 

في طيبة، يصبح الدعاء مختلفاً. الكلمات تخرج من الأعماق لا من الشفاه، والدموع تسبق الحروف، واليقين يملأ الفراغات بين نبضة وأخرى. هناك، يستشعر المؤمن معنى قوله تعالى: “ورفعنا لك ذكرك”، فيرى كيف ارتفع الذكر في القلوب قبل المآذن.

 

 

كل زاوية في المدينة تهمس بسيرة، وكل نسمة هواء تحمل أثراً من آثار النبوة. حين تقف للصلاة، تشعر أنك تصلي في حضن التاريخ، وأنك جزء من موكب إيماني ممتد عبر القرون، تتقدم صفوفه قامات الصحابة رضوان الله عليهم، وتتعالى فيه تكبيرات لا تنقطع.

 

 

أما الليل في المدينة المنورة، فله هيبة خاصة. سكون عميق يلف المكان، كأن السماء تدنو أكثر، وكأن أبواب الرحمة تُفتح على اتساعها. في تلك اللحظات، يدرك المرء أن القرب من رسول الله ﷺ ليس قرب مسافة، بل قرب اتباع ومحبة واستقامة.

وحين تغادر المدينة، لا تغادرك هي. تبقى عالقة في الروح، مزروعة في الوجدان، شاهدة على لحظات صفاء لا تُنسى. إنها طيبة الطيبة… مدينة تعلمك أن الإيمان ليس قولاً يُتلى فحسب، بل حال يُعاش، ونورٌ إذا دخل القلب غيّر مساره إلى الأبد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى