🟥 موسى داؤد يكتب: بيانُ السودانِ تجاهَ المملكةِ العربيةِ السعودية: تضامنٌ سياديٌّ وتموضعٌ استراتيجيٌّ في زمنِ العواصف
الأستاذ: موسى داؤد – كاتبٌ ومحللٌ سياسي

في لحظةٍ إقليميةٍ تتلاطمُ فيها أمواجُ التصعيد، وتتقاطعُ فيها خرائطُ الردع مع مساراتِ النفوذ، صدر بيانُ جمهوريةِ السودان المُدينُ للاعتداء الإيراني على المملكة العربية السعودية لا بوصفه إجراءً بروتوكوليًا عابرًا، ولا استجابةً آنيةً لحدثٍ طارئ، بل باعتباره تموضعًا سياديًا واعيًا يُعيد تعريف موقع الخرطوم في معادلةٍ إقليميةٍ تضجُّ بالتحولات وتضيقُ فيها مساحاتُ الحياد الرمادي. لقد جاء البيان بلغةٍ قانونيةٍ رصينة تُثبّت مبدأ حرمة السيادة وتُجرّم منطق الاعتداء، غير أنّ روحه الأعمق كانت مشبعةً بأخلاق التضامن ووشائج القربى، إذ لا يُمكن قراءة الموقف السوداني خارج سياقه التاريخي والوجداني الذي يربط الشعبين برباطٍ قديمٍ متجدد، رباطٍ صاغته الهجرة والعمل والمصاهرة وتبادل المنافع، وعزّزه الاحترام المتبادل والتقدير الصادق والمحبّة التي لا تُختزل في بياناتٍ سياسية بل تسكن وجدان الناس في الأسواق والمساجد وميادين العمل.
إنّ العلاقة بين الخرطوم والرياض ليست تقاطع مصالحٍ عابر، بل هي شراكة تاريخٍ ومصير، علاقةٌ أزليةُ الامتداد متجددةُ الروح، تشكّلت عبر عقودٍ من التعاون والتكافل، من دعمٍ اقتصادي واستثماري كريم، ومن احتضانٍ إنسانيٍ نبيلٍ لجاليةٍ سودانيةٍ واسعة أسهمت في نهضة المملكة وأسهمت المملكة في استقرارها ورفاهها، فغدت العلاقة أقرب إلى نسيجٍ واحد تتعانق فيه المصالح بالوفاء، ويتجاور فيه الأمن القومي مع الأخوّة الصادقة. ومن هنا فإن أي مساسٍ بأمن السعودية لا يُقرأ في الخرطوم بوصفه شأنًا خارجيًا بعيدًا، بل كاهتزازٍ في فضاءٍ استراتيجيٍ مشترك يمتد من ضفاف البحر الأحمر إلى عمق الأمن العربي، حيث تتشابك خطوط الملاحة مع معادلات الطاقة، وتتعانق الجغرافيا مع ضرورات الاستقرار.
سياسيًا واستراتيجيًا، حمل البيان رسالة وضوحٍ في زمن الالتباس، فالمرحلة الراهنة لا تحتمل ترف الغموض ولا رفاهية التردد، إذ يُفسَّر الصمت ضعفًا ويُقرأ التذبذب ارتباكًا، فجاء الموقف السوداني منسجمًا مع قاعدةٍ راسخة في القانون الدولي تؤكد رفض العدوان وصون سيادة الدول، وفي الوقت ذاته عاكسًا إدراكًا عميقًا بأن التموضع في معسكر الاستقرار ليس انخراطًا في صراعات الآخرين، بل انحيازٌ إلى منطق الدولة في مواجهة منطق الفوضى، وإلى فلسفة التوازن الرشيد بدل الارتهان لمحاور مغلقة. لقد بدا البيان وكأنه إعلانٌ عن نضجٍ دبلوماسي يُحسن قراءة اللحظة، فيوازن بين ثوابت الانتماء العربي ومقتضيات البراغماتية، ويصوغ موقفًا يُعبّر عن التضامن الصادق دون أن يتخلى عن استقلالية القرار الوطني.
وفي البعد الوجداني، لا يمكن إغفال ما يختزنه الخطاب السوداني من تعاطفٍ إنسانيٍ عميق مع الشعب السعودي الشقيق، تعاطفٍ يتجاوز لغة السياسة إلى لغة الأخوّة الصافية، حيث تتجسد العلاقات في وجوه العمال والطلاب والحجاج والمعتمرين، وفي دعوات الأمهات وصلوات الشيوخ، وفي تاريخٍ من الوقوف المتبادل في أزمنة الشدّة والرخاء. إنّها علاقة تقديرٍ رفيع ومحبةٍ متبادلة، علاقةٌ تتجدد كلما حاولت العواصف أن تعصف بالمنطقة، فتزداد رسوخًا وصلابة كما تزداد الأشجار ثباتًا حين تعصف بها الرياح.
بهذا المعنى لم يكن البيان مجرد إدانةٍ لاعتداءٍ محدد، بل كان تعبيرًا عن فلسفةٍ في إدارة السياسة الخارجية قوامها الوفاء للحلفاء، وصون المصالح، والانحياز للمبادئ، والتمسك بخيار الاستقرار الإقليمي. إنه تأكيدٌ على أن السودان، وهو يمرُّ بمرحلةٍ دقيقة من تاريخه، يدرك أن استعادة عافيته ومكانته تمر عبر بناء شبكة علاقاتٍ متينة قائمة على الاحترام المتبادل والتضامن الصادق، وأن العلاقة مع المملكة العربية السعودية تظل أحد أعمدة هذا البناء وأحد ركائزه الراسخة، بما تحمله من إرثٍ مشترك وأملٍ متجدد في غدٍ عربيٍ أكثر أمنًا ووئامًا.