مقالات وكتاب

🟥 موسى داؤد يكتب: الإدارة الأهلية في السودان: حكمة الجذور في معركة الوجود الوطني

الأستاذ: موسى داؤد – كاتب ومحلل سياسي

تُعَدُّ الإدارةُ الأهلية في السودان منظومةً اجتماعيةً سياسيةً متجذّرةً في بنية الدولة قبل تشكّلها الحديث، وهي ليست مجرد إطارٍ تقليديٍّ لتنظيم الشأن القبلي، بل نسقٌ مؤسسيٌّ عرفيٌّ تأسّس على الشرعية الاجتماعية، واستمدّ سلطته من الرضا الجمعي والتراكم التاريخي للحكمة والخبرة. في قمّة هرمها يقف السلطان، ثم الملوك والمقاديم والشراتي والنُّظّار والعُمد والمشايخ، في ترتيبٍ يعكس بنيةً تنظيميةً دقيقةً تضبط العلاقات داخل المجتمعات المحلية، وتوفّر آلياتٍ أصيلةً لإدارة النزاعات وحفظ السلم الأهلي.

من الناحية العلمية، تمثّل الإدارة الأهلية نموذجاً للحكم اللامركزي التقليدي، يقوم على الأعراف، والتحكيم المجتمعي، والجودية، ومجالس الصلح، وهي أدوات أثبتت فاعليتها عبر قرون في احتواء النزاعات ومنع تحوّلها إلى صراعاتٍ ممتدة. إنّها مؤسسةُ ضبطٍ اجتماعيٍّ تُوازن بين السلطة والقبول، وبين القوة الرمزية والشرعية الأخلاقية، مما جعلها وسيطاً طبيعياً بين الدولة والمجتمع، وجسراً بين المركز والأطراف.

وفي سياق التحولات العاصفة التي شهدها السودان، برز دور الإدارة الأهلية بوصفها خطَّ دفاعٍ أخلاقيٍّ عن تماسك المجتمع. فقد اتخذ عددٌ من السلاطين والنُّظّار والمقاديم مواقف واضحةً في رفض توظيفهم ضمن مشاريع التفكيك أو الاصطفاف القسري، وأعادوا تعريف دورهم باعتبارهم حراساً للهوية الجامعة لا أدواتٍ للصراع. إنّ استهداف بعض رموزها في لحظات التوتر يكشف إدراك خصوم الاستقرار لخطورة حضورها وتأثيرها، إذ إن بقاءها متماسكةً يعني بقاء القاعدة الاجتماعية عصيّةً على الاختراق.

السودان، بتنوّعه الإثني والثقافي والمناخي الفريد، يحتاج إلى نموذج حكمٍ يستوعب خصوصيته الجغرافية والإنسانية؛ فهو بلدٌ تتجاور فيه الصحراء والغابات، والجبال والأنهار، وتتعايش فيه ثقافاتٌ متعددةٌ ضمن نسيجٍ واحد. ومن ثمّ فإن أي مشروع وطني لا يستند إلى فهمٍ عميقٍ لهذه التركيبة يظلّ قاصراً. وهنا تتجلّى قيمة الإدارة الأهلية بوصفها ذاكرةً حيّةً للمجتمع، وخزاناً معرفياً للعادات والقيم وأنماط التفاعل الاجتماعي.

غير أنّ استدامة هذا الدور مرهونةٌ بإعادة تأهيل الإدارة الأهلية وفق رؤيةٍ معاصرة، تُحصّنها من التسييس، وتُعزّز استقلاليتها، وتربطها بمفاهيم الدولة الحديثة من مساءلةٍ وشفافيةٍ ومواطنةٍ متساوية، من دون أ�

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى