مقالات وكتاب

🟥 السودان في محكمة الضمير الدولي: مواجهة الحقيقة وفضح التواطؤ

موسى داؤد – كاتب ومحلل سياسي ✒️

في عالمٍ تتراكم فيه الأزمات كما يتراكم الغبار على نوافذ الضمير الدولي، جاءت هذه الحلقة من برنامج اتجاهات الأحداث عبر إذاعة بلادي، لا لتضيف خبراً عابراً إلى سجل المآسي، بل لتفتح نافذةً واسعة على الحقيقة العارية، في لحظةٍ مفصلية تزامنت مع زيارة وفد مجلس الأمن الدولي إلى السودان، ومع جلسة مجلس حقوق الإنسان بجنيف التي وُصفت فيها المأساة السودانية بأنها «فظائع وجرائم إبادة جماعية»، توصيف لم يعد مجرّد لفظٍ حقوقي، بل شهادة أممية على حجم الجريمة التي تُرتكب في حق شعبٍ أعزل.
في هذا السياق، جاء حوار الأستاذ محمد شرف الدين، مسؤول المسار الإنساني باللجنة العليا للإسناد وصدّ العدوان، ليضع الوقائع في إطارها الحقيقي، كاشفاً أن ما يجري في السودان ليس أزمة إنسانية طارئة، بل حرب إبادة ممنهجة تقودها مليشيا إرهابية ضد الدولة والمجتمع معاً. لم يكن الحديث في إذاعة بلادي استعراضاً إعلامياً، بل مواجهة فكرية وأخلاقية مع سؤالٍ مركزي:
هل يرى العالم حقيقة ما يجري في السودان، أم أنه يتواطأ مع العمى؟
لقد جاءت جلسة جنيف الأخيرة، التي خاطبها السفير حسن حامد، المندوب الدائم للسودان، لتكون أقرب إلى محكمة ضمير منها إلى منصة دبلوماسية تقليدية. ففي رده على إحاطة المفوض السامي لحقوق الإنسان، لم يكتفِ بعرض الوقائع، بل أعاد تركيب المشهد الأخلاقي والسياسي من جذوره، مؤكداً أن تسهيل حكومة السودان لزيارة المفوض السامي لم يكن إجراءً بروتوكولياً، بل إعلاناً شجاعاً بأن الدولة لا تخشى الحقيقة، لأن الحقيقة في صفها.
الناجون من مذابح الفاشر، الذين التقاهم المفوض السامي، لم يحملوا إلى جنيف بيانات مكتوبة، بل حملوا أجساداً مثقلة بالندوب، وذاكرةً مشبعة برائحة الموت. رواياتهم عن القتل الجماعي، والاغتصاب، والتطهير العرقي، لم تكن سرديات عاطفية، بل أدلة قانونية دامغة على إجرام مليشيا احترفت تحويل الإنسان إلى هدفٍ مباح. وحين يُضاف إلى ذلك استهداف قوافل برنامج الأغذية العالمي وضرب النازحين في لحظات ضعفهم القصوى، يتضح أن هذه المليشيا لا تحارب جيشاً، بل تحارب الحياة نفسها.
الذروة الأخلاقية في جلسة جنيف تمثّلت في ردّ مندوب السودان على الدعوات إلى توسيع حظر السلاح، حين قلب السؤال رأساً على عقب:
كيف يُعاقَب الضحية ويُترك المموِّل؟
فبدلاً من تجفيف منابع السلاح التي تتدفق على المليشيا، جرى توجيه الضغط نحو الدولة التي تدافع عن سيادتها. وهنا سمّى السفير حسن حامد الأشياء بأسمائها، مطالباً مجلس الأمن بالارتقاء إلى مستوى مسؤوليته، ومحاسبة الدولة الراعية للمليشيا، دولة الإمارات، على خرقها الصريح للقرار 1591 عبر دعمها العسكري المتواصل للمليشيا في دارفور.
وفي لحظة صدقٍ دبلوماسي نادرة، تفجّر السؤال الأخلاقي في وجه مندوب الإمارات:
أي تبرّعٍ هذا الذي يُقدَّم بيد، بينما تُرسل اليد الأخرى الطائرات المسيّرة لقتل السودانيين؟
وأي عملٍ إنساني هذا الذي يحاول غسل عار التورط في الإرهاب بورقة شيك؟
لم يكن ذلك انفعالاً، بل ترجمة لغضب شعبٍ بأكمله يقول للعالم:
«أمسكوا عليكم أموالكم… فنحن أكرم من أن نُطعَم من الأيادي التي تقتلنا».
هنا يلتقي الإعلام بالسياسة، وتتحوّل الكلمة إلى فعل مقاومة. وكما أوضح الأستاذ محمد شرف الدين عبر إذاعة بلادي، فإن المسار الإنساني في السودان لا يُختزل في الشحنات والتمويل، بل في كسر الحصار السياسي والإعلامي الذي يُراد به شلّ قدرة الدولة على حماية شعبها، وتشويه روايتها، وتجريدها من حقها في الدفاع عن نفسها.
وفي هذا المقام، لا بد من وقفة تقدير لإذاعة بلادي، هذه المنصة الوطنية التي ظلت، رغم ظروف الحرب والحصار، منبراً للحقيقة وصوتاً لإنسان السودان. إدارةً ومحررين ومذيعين وفنيين، يواصلون بثّ الوعي وسط ضجيج التضليل، ويقدّمون خدمة عامة لا تُقاس بالمال، بل بقيمة الموقف. إن بقاء إذاعة بلادي على الهواء في زمن الانهيار ليس عملاً إعلامياً فحسب، بل فعل مقاومة وطنية.
إن زيارة وفد مجلس الأمن، إن كانت صادقة في نواياها، يجب أن تُترجم إلى أفعال رادعة لا بيانات باردة. فالسودان لا يحتاج إلى مزيد من القلق الدولي، بل إلى قرارات تُغلق صنابير السلاح، وتُجفف منابع التمويل، وتُسمي الجناة بأسمائهم.
في النهاية، ما دار في جنيف، وما بثّته إذاعة بلادي عبر هذه الحلقة، يؤكد حقيقة واحدة: أن السودان اليوم يقاتل على جبهتين؛ جبهة السلاح في الميدان، وجبهة السردية في العالم. وإذا كان الرصاص يقتل الأجساد، فإن التزييف يقتل القضايا. ولهذا تصبح الكلمة الصادقة شكلاً من أشكال المقاومة.
وهكذا، من جنيف إلى الفاشر، ومن موجات الأثير إلى ضمير العالم، يظل السؤال معلقاً كجرس إنذار:
هل ينتصر الحق حين يُقال، أم حين يُفعل؟
والسودان، رغم الجراح، ما زال يؤمن أن الحقيقة، مهما تأخرت، لا تموت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى