مالك عقار إير: رجل الدولة في زمن العاصفة حين يصبح القائد جسرًا بين النار والوطن
✒️ د/موسى داؤد كاتب صحفي ومحلل سياسي.

في الأزمنة التي تنكسر فيها الدول تحت وطأة الرصاص، وتضيع فيها البوصلة بين دخان المعارك وضجيج الشعارات، لا يبرز القادة الحقيقيون من خلال قوة السلاح وحدها، بل من خلال قدرتهم على إنقاذ المعنى قبل إنقاذ الأرض. في مثل هذه اللحظات الفاصلة، يطلّ اسم مالك عقار إير لا بوصفه فاعلًا سياسيًا عابرًا في مسرح الأزمة السودانية، بل بوصفه ضميرًا وطنيًا حيًّا تشكّل عبر التجربة، وتعمّق عبر الألم، ونضج عبر الحكمة.
هو من أولئك الرجال الذين لا يصنعهم المنصب، بل تصنعهم المحنة. رجل حمل الدولة على كتفيه في أكثر لحظاتها هشاشة، حين تهاوت الجدران المعنوية قبل أن تتصدّع الجبهات العسكرية، وحين أصبح الوطن نفسه مشروع سؤال لا حقيقة ثابتة.
رجل المرحلة الصعبة
حين اندلعت حرب الكرامة، لم يكن مالك عقار مراقبًا من مقاعد الانتظار، ولا متفرجًا على شرفة التاريخ، بل كان في قلب العاصفة، حيث تتشكّل القرارات المصيرية تحت ضغط الزمن والخوف. في لحظة كانت فيها القيادة العامة محاصرة، والدولة معلّقة بين الانهيار والبقاء، تحمّل عقار مسؤولية تاريخية استثنائية، فكان الرئيس الفعلي خارج الحصار، وحارس الشرعية، وصوت السودان العاقل في عالم يتقن الإصغاء للقوة أكثر من العدالة.
لم يكن حضوره ديكوريًا ولا بروتوكوليًا، بل فاعلًا وعضويًا في معركة الوجود السياسي للدولة. حمل الرواية السودانية إلى المحافل الدولية، لا بخطاب انفعالي، بل بلغة هادئة، رصينة، تشبه رجلًا يعرف أن السياسة ليست صراخًا، بل فن إدارة المعنى في زمن الانهيار.
شجاعة القرار في لحظة الاختبار
قبوله بتكليف رئيس مجلس السيادة لتولي منصب نائب الرئيس في أخطر ظرف تمر به البلاد لم يكن سعيًا وراء سلطة، بل استجابة أخلاقية لنداء الواجب. ففي زمن يهرب فيه كثيرون من السفينة الغارقة، اختار مالك عقار أن يصعد إلى قمرة القيادة، مدركًا أن الدولة لا تُدار من مسافة آمنة، بل من قلب الخطر.
أول من جسّد وحدة السلاح الوطني
واحدة من أكثر لحظاته رمزية في حرب الكرامة تمثّلت في مبادرته التاريخية بإدماج قوات الحركة الشعبية – شمال في صفوف القوات المسلحة السودانية. لم يكن ذلك مجرد إجراء عسكري، بل فعلًا سياديًا ذا بعد فلسفي عميق: إعادة تعريف مفهوم القوة الوطنية بوصفها قوة موحّدة لا جزرًا مسلّحة متناحرة.
قائد لا يفرّق بين الناس
في تفاصيل سلوكه اليومي، يتجلّى نموذج نادر للقائد السوداني المتصالح مع شعبه. لا يعرف التمييز بين كبير وصغير، ولا بين مركز وهامش، ولا بين نخبوي وبسيط. بيته مفتوح، صوته هادئ، حضوره إنساني قبل أن يكون سياسيًا.
خطاب الحكمة في زمن الانقسام
في لحظة تاريخية تآكل فيها الخطاب السياسي السوداني تحت ضغط الكراهية والاستقطاب، ظلّ مالك عقار متمسكًا بلغة الوحدة الوطنية، رافضًا منطق الإقصاء، ومؤمنًا بأن الدولة لا تُبنى بالغلبة، بل بالتوافق.
خلاصة الصورة: بطل دولة لا بطل معركة
إن مالك عقار إير ليس بطل معركة عسكرية فحسب، بل بطل لحظة تاريخية كاملة. رجل جمع بين صلابة المقاتل، وحكمة السياسي، ورصانة رجل الدولة، وتواضع الإنسان السوداني البسيط.
في حرب الكرامة، لم يكن مجرد مسؤول في منصب، بل كان أحد أعمدة بقاء الدولة.
وفي زمن الانقسام، لم يكن طرفًا في الصراع، بل جسرًا فوقه.
وفي لحظة الخوف، لم يختبئ خلف الخطابات، بل وقف في الواجهة، يحمل اسم السودان لا كهوية سياسية، بل كقضية وجود.
هكذا يُكتب اسمه لا في سجل المناصب، بل في ذاكرة الوطن.
وهكذا يُعرَّف لا كقائد حركة، بل كرجل دولة في زمن الخراب.